المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٥٥ - تعريفه
الأمر: أن الدليل عليها تارة: يكون الأخبار، و أخرى: بناء العقلاء، و ثالثة: إذعان العقل الذي يستكشف منه حكم الشرع (١).
و منها: إن التعريف المذكور لا يتكفل ببيان أركان الاستصحاب من نحو اليقين
(١) قال فضية الأستاذ الشيخ هادي آل الشيخ راضي في شرح هذه العبارة ما يلي: (حينما نطرح موضوع الاستصحاب للبحث، و نريد أن نعرفه قبل أن ندخل في التفاصيل لا بد أن نعرفه هنا بتعريف ينسجم مع جميع المشارب من جهة المباني الثلاثة (أي: ينسجم مع من يرى أن الاستصحاب ثابت ببناء العقلاء، و بحكم العقل، و بالأخبار).
و هنا لما عرفوا الاستصحاب ب «إبقاء ما كان» هذا لا ينسجم مع كل المشارب في الاستصحاب، لما ذا لا ينسجم؟
لأنه لا يخلو الإبقاء في التعريف إما أن يراد به الإبقاء العملي أو الإبقاء غير المنسوب إلى المكلف (أي:
الإبقاء الحكمي).
فإن كان المراد من الإبقاء في التعريف الإبقاء العملي: فهذا لا ينسجم مع من يرى أن الاستصحاب ثابت بحكم العقل، لأن الإبقاء العملي من قبل المكلف ليس موردا لحكم العقل، فحكم العقل معناه:
إذعانه و تصديقه، و العقل إنما يذعن بالحكم بالبقاء لا إنه يذعن بالإبقاء العملي من قبل المكلف لأنه عمل جزئي صادر من المكلف في الخارج، فالعقل لا يدرك الجزئيات بل يدرك الأمور الكلية كالحكم بالبقاء.
و أما إذا كان المراد من الإبقاء في التعريف هو الإبقاء غير المنسوب إلى المكلف يقول المصنف: أيضا لا جامع لكل المشارب إذ لا جهة جامعة بين الإلزام الشرعي الذي هو متعلق بالإبقاء، و بين البناء العقلائي و الإدراك العقلي.
فبناء على أن مستند الاستصحاب هو حكم الأخبار تكون العبارة «الحكم بالإبقاء».
و بناء على أن مستند الاستصحاب هو حكم العقل تكون العبارة «إدراك العقل بالبقاء». و بناء على أن مستنده بناء العقلاء تكون العبارة «البناء العقلائي على البقاء».
و لا يوجد جهة جامة بينهم فإن الحكم بالبقاء غير إدراك البقاء، و غير إذعان العقل بالبقاء، و غير بناء العقلاء على البقاء.
إذا: هذا التعريف لا يجمع كل المشارب و المسالك الموجودة في الاستصحاب.
يجيب المصنف قائلا: إن المراد من الاستصحاب هو القاعدة في العمل المجعولة من قبل الشارع. و هي قاعدة واحدة في معناها على جميع المباني، غاية ما في الأمر: أن هذه القاعدة مدركها يختلف فمرة يكون مدركها الأخبار، فالأخبار تثبت القاعدة مباشرة، و مرة يكون مدركها بناء العقلاء بضميمة إمضاء الشارع لهذا البناء فيثبت جعل القاعدة شرعا، و مرة يكون مدركها حكم العقل بالملازمة بين حكم العقل، و بين حكم الشرع أيضا تثبت حكم الشرع بالبقاء.
إذا: الاستصحاب عبارة عن القاعدة المجعولة شرعا.