المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٧ - ٢- و منها في سورة بني إسرائيل (الإسراء) الآية ١٥
مقدار مقدور عليه من المال و لا يكلف نفسا إلّا بفعل واجب أو ترك حرام أقدرها عليه، فمجيء الإيتاء بمعنى: الإقدار المناسب مع مورد الآية سهّل أمر الاستدلال بها على ما نحن فيه و إن كان المقام قد يناسب أن يكون بمعنى: الإعلام.
و على ما ذكرناه فإيراد الشيخ الأنصاري على إرادة المعنى الأعم- باستلزامها لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى- مندفع و غير وارد.
و نفس التقريب جار في عديل الآية الشريفة من قوله تعالى في آخر سورة البقرة الآية ٢٨٦: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
نظرا إلى أن فعل مجهول الحكم أو تركه بعنوان حكم ظاهري و وظيفة عبودية خارج عن وسع المكلف عند عامة الناس و في عرفهم، فدلالة الآيتين واضحة على المقصود (١).
٢- و منها: في سورة بني إسرائيل (الإسراء) الآية ١٥: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (٢)
أي: ليس من شأننا أن نؤاخذ و نعذب الناس دنيويا و أخرويا لا
(١) و في نفس السورة، الآية ٢٣٣ لها عين الدلالة، و لها أخوات لفظا و دلالة في سور أخر.
(المصنف). إلّا أن ظاهر الآية نفي التكليف بغير المقدور و هذا مسلم به ما بين الأصوليين و الأخباريين.
(٢) و تقريب الاستدلال بالآية الكريمة بعبارة أخرى: (إن الآية تدل على أن اللّه « «عزّ و جلّ»» لا يعذب حتى يبعث الرسول، و ليس الرسول هنا إلّا كمثال للبيان، فلا عقاب بلا بيان. (بل قد يعترض على هذا الاستدلال بأن غاية ما يقتضيه نفي العقاب في حالة عدم صدور البيان من الشارع لا في حالة صدوره و عدم وصوله إلى المكلف، لأن الرسول إنما يؤخذ كمثال لصدور البيان من الشارع لا للوصول الفعلي إلى المكلف. و ما نحن بصدده إنما هو التأمين من ناحية تكليف لم يصل إلينا بيانه حتى و لو كان هذا البيان قد صدر من الشارع) [١].
و هذا ما أفاده الشيخ الأنصاري (قدس سره) في تقريب الاستدلال بالآية الكريمة ناظرا إلى هذا الأمر، حيث قال (قدس سره): «بناء على أن بعث الرسول كناية عن بيان التكليف، لأنه يكون به غالبا كما في قولك: لا أبرح من هذا المكان حتى يؤذن المؤذن كناية عن دخول الوقت».
إذا: تقريب الاستدلال بهذه الآية هو: أن اللّه «عزّ و جلّ» أخبر بعدم العقاب قبل بعث الرسل و إتمام الحجة، و قلنا: بعث الرسل كناية عن إيصال الأحكام إلى المكلفين، فقبل أن يصل إليهم الأحكام لا يؤاخذهم على مخالفة التكليف المجهول، فتدل على البراءة عند الشك في التكليف. بل قيل: أن هذه
[١] راجع الحلقة الثانية، ص ٣٢٠.