المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٩ - «تنبيه» الاستحسان و المصالح المرسلة و سد الذرائع
و لو صح للعقل هذا الأمر لما كان هناك حاجة لبعثة الرسل و نصب الأئمة، إذ يكون حينئذ كل ذي عقل متمكنا بنفسه من معرفة أحكام الله تعالى، و يصبح كل مجتهد نبيا أو إماما. و من هنا تعرف السر في إصرار أصحاب الرأي على قولهم بأن كل مجتهد مصيب، و قد اعترف الإمام الغزالي (١): بأنه لا يمكن إثبات حجية القياس إلّا بتصويب كل مجتهد، و زاد على ذلك قوله: بأن المجتهد و إن خالف النص فهو مصيب و إن الخطأ غير ممكن في حقه.
و من أجل ما ذكرناه من عدم إمكان إثبات حجية مثل هذه الأدلّة رأينا الاكتفاء بذلك عن شرح هذه الأدلّة و مرادهم منها و مناقشة أدلتهم. و نحيل الطلاب على محاضرات (مدخل الفقه المقارن) التي ألقاها أستاذ المادة في كلية الفقه الأخ السيد محمّد تقي الحكيم، فإن فيها الكفاية.
***
٢- الوسائل الموضوعة للأمور المباحة، إلّا أن فاعلها قصد بها التوسل إلى المفسدة، و مثالها: فعل من يعقد النكاح قاصدا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدا به الربا.
٣- الوسائل الموضوعة للأمور المباحة، و التي لم يقصد التوسل بها إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا و مفسدتها أرجح من مصلحتها، و مثالها: مسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم فيسبوا الله عدوا، و تزين المتوفى عنها زوجها في زمن عدتها.
٤- الوسائل الموضوعة للمباح، و قد تفضي إلى المفسدة و مصلحتها أرجح من مفسدتها، و مثلوا لها:
بالنظر إلى المخطوبة و المشهود عليها، و كلمة الحق عند سلطان جائر.
حكمها: أما حكمها فقد اختلفوا فيه، فالذي عليه ابن القيم و جماعة: أن الوسيلة تأخذ حكمها مما تنتهي إليه، و قرب ذلك بقوله: «لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلّا بالأسباب و طرق تفضي إليها، كانت طرقها و أسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات و المعاصي في كراهتها و المنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها و ارتباطاتها بها، و وسائل الطاعات و القربات في محبتها و الإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، و كلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، و هي مقصودة قصد الوسائل.
فإذا حرم الرب تعالى شيئا و له طرق و وسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها و يمنع منها تحقيقا لتحريمه و تثبيتا له و منعا أن تقرب حماه، و لو أباح الوسائل و الذرائع المفضية إليه، لكان ذلك نقضا للتحريم و إغراء للنفوس به، و حكمته تعالى و علمه يأبى ذلك كل الإباء.
إلّا أن رأي ابن القيم تحريم جميع تلك الأقسام التي ذكرها للوسيلة عدا القسم الرابع، و هو ما كان موضوعا للمباح، و قد يفضي إلى مفسدة، و مصلحته أرجع من مفسدته». [الأصول العامة للفقه المقارن. للعلامة محمّد تقي الحكيم].
(١) المستصفى: ٢/ ٥٧.