المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٨ - ١١- اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل
و سيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى في هذا الجزء.
و عن الشيخ الأنصاري «أعلى الله مقامه» و عن غيره أيضا كصاحب الفصول (رحمه الله)، إن أخبارنا متواترة معنى في اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل، و هو كذلك.
معنى القول بالتخطئة على حد تعبير السيد محمّد باقر الصدر (قدس سره).
و هناك مسلك آخر مغاير تماما لمسلك التخطئة يسمى بمسلك التصويب؛ و حاصله كما عن السيد الشهيد الصدر (قدس سره): «أن أحكام الله تعالى ما يؤدي إليها الدليل و الأصل، و معنى ذلك: إنه ليس له من حيث الأساس أحكام، و إنما يحكم تبعا للدليل أو الأصل، فلا يمكن أن يتخلف الحكم الواقعي عنها». و بعبارة أخرى: هذا المسلك يعتمد على أن الله «عزّ و جل» لم يسجل في حق الجاهل شيئا من الأحكام، و إنما يأخذ حكمه من مؤدى الأمارة، فإن قالت الأمارة للمكلف: إن صلاة العيد واجبة مثلا تعين وجوب صلاة العيد عليه، و إن قالت: إن صلاة العيد مستحبة تعين استحباب صلاة العيد عليه و هكذا.
و على هذا المسلك لا يتصور خطأ الأمارة للواقع، إذ ليس للواقع وجود حتى يصدق التخطئة أو التصويب؛ إذ التخطئة و التصويب فرع وجود حكم واقعي و لا وجود للحكم الواقعي بل الأمارة أو الأصل هما يولدان الحكم.
إلّا أن هذا المسلك مردود، حيث أن الأدلة و الحجج- من الأمارات و الأصول- إنما جاءت لتخبرنا عن حكم الله و تحدد موقفنا تجاهه، فكيف نفترض أن لا حكم لله من حيث الأساس على حد تعبير السيد الشهيد الصدر (قدس سره). إذا: هذا المسلك واضح البطلان لعدم وجود حكم لله من الأساس حسب الفرض. و إذا لا يوجد حكم من الأساس فكيف تكون الأمارة مرشدة إليه؟
- و هناك صورة مخففة للتصويب يذكرها السيد الشهيد (قدس سره) في حلقته الثالثة الجزء الأول مؤداها: إن الله تعالى له أحكام واقعية ثابتة من حيث الأساس، و لكنها مقيدة بعدم قيام الحجة من أمارة أو أصل على خلافها، فإن قامت الحجة على خلافها تبدلت و استقر ما قامت عليه الحجة. و بناء على هذه الصورة من التصويب: لا يوجد حكم واحد مشترك بين الجميع، فمن كانت حجته مخطئة يكون الحكم في حقه مغايرا لمن لم تكن حجته مخطئة، و عدم الاشتراك في حكم واحد باطل لوجهين:
١- أن عدم الاشتراك مخالف لظاهر أدلة الأحكام حيث أنها تقتضي بمقتضى إطلاقها اشتراك الأحكام بين جميع الناس.
٢- أن عدم الاشتراك مخالف للأدلة المستفيضة الدالة على الاشتراك» [١].
و بعبارة أخرى: نقول: إن هذه الصورة واضحة البطلان؛ و ذلك لأن هذه الصورة مخالفة لظواهر الأدلة الدالة على اشتراك الجاهل و العالم في الأحكام الواقعية، فإن الله «عزّ و جل» له أحكام واحدة يشترك
[١] راجع الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، ج ١، ص ٤٦.