المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٤ - ٤- منصوص العلة و قياس الأولوية
منصوص العلة، فمن يراه حجة يراه فيما إذا كان له ظهور في عموم العلة، و من لا يرى حجيته يراه فيما إذا كان الأخذ به أخذا به على نهج القياس.
و الخلاصة: إن المدار في منصوص العلة أن يكون له ظهور في عموم الموضوع لغير ما له الحكم (أي: المعلل الأصل)، فإنه عموم من جملة الظواهر التي هي حجة، و لا بد حينئذ أن تكون حجيته على مقدار ما له من الظهور في العموم، فإذا أردنا تعديته إلى غير ما يشمله ظهور العموم: فإن التعدية لا محالة تكون من نوع الحمل و القياس الذي لا دليل عليه، بل قام الدليل على بطلانه.
قياس الأولوية: أما (قياس الأولوية) فهو نفسه الذي يسمى (مفهوم الموافقة) الذي تقدمت الإشارة إليه ١/ ٢٢٢ و قلنا هنا: إنه يسمى (فحوى الخطاب)، كمثال الآية الكريمة فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ الدالة بالأولوية على النهي عن الشتم و الضرب و نحوهما.
و تقدم في هذا الجزء ص ١٨٢: أن هذا من الظواهر، فهو حجة من أجل كونه ظاهرا من اللفظ، لا من أجل كونه قياسا حتى يكون استثناء من عموم النهي عن القياس، و إن أشبه القياس، و لذلك سمي بقياس الأولوية و القياس الجلي.
و من هنا لا يفرض مفهوم الموافقة إلّا حيث يكون للفظ ظهور بتعدي الحكم إلى ما هو أولى في علة الحكم، كآية التأفيف المتقدمة، و منه دلالة الإذن بسكنى الدار على جواز التصرف بمرافقها بطريق أولى، و يقال لمثل هذا في عرف الفقهاء: (إذن الفحوى)، و منه الآية الكريمة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ الدالة بالأولوية على ثبوت الجزاء على عمل الخير الكثير.
و بالجملة: إنما نأخذ بقياس الأولوية إذا كان يفهم ذلك من فحوى الخطاب، إذ يكون للكلام ظهور بالفحوى في ثبوت الحكم فيما هو أولى في علة الحكم، فيكون حجة من باب الظواهر، و من أجل هذا عدوه من المفاهيم و سموه مفهوم الموافقة.
أما إذا لم يكن ذلك مفهوما من فحوى الخطاب فلا يسمى ذلك مفهوما بالاصطلاح، و لا تكفي مجرد الأولوية وحدها في تعدية الحكم، إذ يكون من القياس الباطل.