المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤١ - ٩- الظن الخاص و الظن المطلق
.....
استحقاق العقوبة.
هذا كله في منع الصغرى بناء على الاحتمال الأول أعني: كون المراد بالضرر العقوبة، ثم أن ما أفاده في الجواب بمنع الصغرى- على تقدير أن يراد بالضرر العقوبة- قد سبقه فيه شيخنا الأعظم، قال (قدس سره): «فالأولى أن يجاب عن هذا الدليل بأنه إن أريد من الضرر المظنون العقاب فالصغرى ممنوعة، فإن استحقاق العقاب على الفعل أو الترك كاستحقاق الثواب عليهما ليس ملازما للوجوب أو التحريم الواقعيين .. إلخ» [١].
و بالجملة: قد أجاب عن الدليل صاحب الكفاية بعدم تمامية الصغرى، إن كان المراد بالضرر الضرر الأخروي و العقاب؛ لأنّ الظنّ غير المعتبر ليس بيانا. فيكون العقاب على التكليف المظنون بذلك الظن غير المعتبر عقابا بلا بيان، و هو قبيح، و صدور القبيح من الله «عزّ و جل» محال.
و أما إذا كان المراد بالضرر المذكور في صغرى الدليل هو المفسدة فقد أجاب صاحب الكفاية (قدس سره) عليه بوجهين، نذكر الأول و هو: إن المفسدة و إن كانت مظنونة بظن التكليف، حيث أن الملاكات من قبيل الأمور التكوينية المترتبة على الأشياء التي لا تنفك عنها، فالظن بالتكليف كالعلم به و الشك فيه مستلزم للظن بالملاك أو العلم به أو الشك فيه، فإن الملازمة بين الحكم و بين ملاكه ثابتة في جميع المراحل، بخلاف العقوبة كما عرفت، فلا يمكن التفكيك بين الظن بالحكم و بين الظن بملاكه، إلّا أن هذا التكليف إما أن يكون هو الحرمة، و إما أن يكون هو الوجوب، فإن كان هو الوجوب كانت المفسدة المظنونة- لو خولف الوجوب المظنون- هو فوات المصلحة، و إن كان هو الحرمة، فالمفسدة و إن كانت مظنونة حينئذ إلّا أن المفاسد على قسمين، فإنها قد تكون نوعية و قد تكون شخصية، فإن كانت نوعية لم توجب ضررا على الفاعل كإيذاء أحد معاندي الدين في مركز أهل الديانة، فإنه لا يوجب ضررا على الفاعل و إن كان ضررا على المؤمنين القاطنين في أقطار أعداء الدين، فالمفسدة النوعية توجب قبح الفعل، لكنها ليست ضررا على الفاعل حتى يجب عليه دفعه عند الظن به، فنفس عنوان المفسدة ليس ضررا و لا ملازما له. و إن كانت المفسدة شخصية، فالعقل و إن حكم بوجوب دفعها، لأنه ضرر على شخص الفاعل، لكن لزوم دفعها منوط بإحرازها علما أو ظنا، و ما لم يحرز ذلك الضرر لم يحكم العقل بلزوم دفعه و التخلص منه، فإن المورد شبهة موضوعية تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان [٢]. هذا ما أفاده صاحب الكفاية في منع الصغرى.
و هناك وجه ثالث ذكره صاحب الرسائل في رسائله فمن أراد المعرفة فليراجع كتابه؛ ج ١، ص ١٧٦.
الدليل الثاني على حجية مطلق الظن و هو: أنّه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح، و هو قبيح.
هذا الدليل العقلي مذكور في الرسائل و توضيحه هو: أنه عند ما يدور الأمر بين العمل بالظن بالحكم
[١] منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٤، ص ٥٥٨.
[٢] منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٤، ص ٥٦٢.