المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٦٤ - ١٣- الأمارة طريق أو سبب
يكون الإذن من الشارع العالم بالحقائق الواقعية لأمر علم به و غاب عنا علمه. و لا يخرج هذا الأمر عن أحد شيئين لا ثالث لهما، و كل منهما جائز عقلا لا مانع منه:
١- أن يكون قد علم بأن إصابة الأمارة للواقع مساوية لإصابة العلوم التي تتفق للمكلّفين أو أكثر منها، بمعنى: أن العلوم التي يتمكن المكلفون من تحصيلها يعلم الشارع بأن خطأها سيكون مساويا لخطأ الأمارة المجعولة أو أكثر خطأ منها.
٢- أن يكون قد علم بأن في عدم جعل أمارات خاصة لتحصيل الأحكام و الاقتصار على العلم تضييقا على المكلفين و مشقة عليهم، لا سيما بعد أن كانت تلك الأمارات قد اعتادوا سلوكها و الأخذ بها في شئونهم الخاصة و أمورهم الدنيوية، و بناء العقلاء كلهم كان عليها.
و هذا الاحتمال الثاني قريب إلى التصديق جدا، فإنّه لا نشك في أن تكليف كلّ واحد من الناس بالرجوع إلى المعصوم أو الأخبار المتواترة في تحصيل جميع الأحكام أمر فيه ما لا يوصف من الضيق و المشقة، لا سيما أن ذلك على خلاف ما جرت عليه طريقتهم في معرفة ما يتعلق بشئونهم الدنيوية.
و عليه، فمن القريب جدّا أن الشارع إنما رخّص في اتّباع الأمارات الخاصة:
فلغرض تسهيل الأخذ بأحكامه و الوصول إليها. و مصلحة التسهيل من المصالح النوعية المتقدمة في نظر الشارع على المصالح الشخصية التي قد تفوت أحيانا على بعض المكلّفين عند العمل بالأمارة لو أخطأت. و هذا أمر معلوم من طريقة الشريعة الإسلامية التي بنيت في تشريعها على التيسير و التسهيل.
و على التقديرين و الاحتمالين: فإن الشارع في إذنه باتّباع الأمارة طريقا إلى الوصول إلى الواقع من أحكامه لا بدّ أن يفرض فيه أنه قد تسامح في التكاليف الواقعية عند خطأ الأمارة، أي: أن الأمارة تكون معذرة للمكلّف، فلا يستحق العقاب في مخالفة الحكم، كما لا يستحق ذلك عند المخالفة في خطأ القطع، لا إنه بقيام الأمارة يحدث حكم آخر ثانوي، بل شأنها في هذه الجهة شأن القطع بلا فرق.
و لذا إن الشارع في الموارد التي يريد فيها المحافظة على تحصيل الواقع على كل حال أمر باتّباع الاحتياط، و لم يكتف بالظنون فيها، و ذلك كموارد الدماء و الفروج.
١٣- الأمارة طريق أو سبب:
قد أشرنا في البحث السابق إلى مذهبي السببية و الطريقية في الأمارة، و قد عقدنا