المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٦٨ - الدليل من الآيات القرآنية
و الجواب: أن الحديث مرسل لا حجة فيه، لأن راويه- هو الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة- رواه عن أناس من أهل حمص! ثم الحارث هذا نفسه مجهول لا يدري أحد من هو؟ و لا يعرف له غير هذا الحديث.
ثم أن الحديث معارض بحديث آخر (١) في نفس الواقعة، إذ جاء فيه: «لا تقضين و لا تفصلن إلّا بما تعلم، و إن أشكل عليك أمر فقف حتى تتبينه أو تكتب إليّ».
فأجدر بذلك الحديث أن يكون موضوعا على الحارث أو منه.
مضافا إلى: إنه لا حصر فيما ذكروا، فقد يراد من الاجتهاد بالرأي استفراغ الوسع في الفحص عن الحكم، و لو بالرجوع إلى العمومات أو الأصول. و لعله يشير إلى ذلك قوله: (و لا آلو).
و منها: حديث الخثعمية التي سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن قضاء الحج عن أبيها الذي فاتته فريضة الحج: أ ينفعه ذلك؟ فقال (صلى الله عليه و آله) لها:
«أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أ كان ينفعه ذلك؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق بالقضاء».
قالوا: فألحق الرسول دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء. و هو عين القياس.
و الجواب: إنه لا معنى للقول بأن الرسول أجرى القياس في حكمه بقضاء الحج، و هو المشرع المتلقي الأحكام من الله تعالى بالوحي، فهل كان لا يعلم بحكم قضاء الحج فاحتاج أن يستدل عليه بالقياس؟ ما لكم كيف تحكمون؟
و إنما المقصود من الحديث- على تقدير صحته- تنبيه الخثعمية على تطبيق العام على ما سألت عنه، و هو- أعني: العام- وجوب قضاء كل دين، إذ خفي عليها أن الحج مما يعد من الديون التي يجب قضاؤها عن الميت، و هو أولى بالقضاء لأنه دين الله.
و لا شك في: إن تطبيق العام على مصاديقه المعلومة لا يحتاج إلى تشريع جديد غير تشريع نفس العام، لأن الانطباق قهري، و ليس هو من نوع القياس.
و لا ينقضي العجب ممن يذهب إلى عدم وجوب قضاء الحج و لا الصوم كالحنفية، و يقول: (دين الناس أحق بالقضاء) ثم يستدل بهذا الحديث على حجية القياس؟
(١) راجع تعليقة الناشر لكتاب إبطال القياس لابن حزم ص ١٥. (المصنف).