المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٨١ - إمكان نسخ القرآن
الأوّل أن أمده ينتهي.
و من هنا يظهر الفرق جليا بين النسخ و التخصيص، فإنه في (التخصيص) يكون الحكم من أوّل الأمر أنشئ مقيدا و مخصصا، و لكن اللفظ كان عاما بحسب الظاهر، فيأتي الدليل المخصص فيكون كاشفا عن المراد، لا إنه مزيل و رافع لما هو ثابت في الواقع، و أما في (النسخ) فإنه لما أنشئ الحكم مطلقا فمقتضاه أن يدوم لو لم يرفعه النسخ، فالنسخ يكون محوا لما هو ثابت يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ ...، لا إن الدوام و الاستمرار مدلول لظاهر الدليل بحسب إطلاقه و عمومه، و المنشأ في الواقع الحكم المؤقت، ثم يأتي الدليل الناسخ فيكشف عن المراد من الدليل الأوّل و يفسره، بل الدوام من اقتضاء نفس ثبوت الحكم من دون أن يكون لفظ دليل الحكم دالا عليه بعموم أو إطلاق.
يعني: أن الحكم المنشأ لو خلّي و طبعه- مع قطع النظر عن دلالة دليله- لدام و استمر ما لم يأت ما يزيله و يرفعه كسائر الموجودات التي تقتضي بطبيعتها الاستمرار و الدوام.
٤- و قيل: أن كلام الله تعالى قديم، و القديم لا يتصور رفعه (١).
و الجواب: بعد تسليم هذا الفرض- و هو قدم كلام الله (٢)- فإن هذا يختص بنسخ التلاوة، فلا يكون دليلا على بطلان أصل النسخ. مع أنه قد تقدم من نص القرآن الكريم ما يدلّ على إمكان نسخ التلاوة و إن لم يكن صريحا في وقوعه كقوله تعالى: وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ...، فهو إما أن يدل على إن كلامه تعالى غير قديم، أو أن القديم يمكن رفعه، مضافا إلى إنه ليس معنى نسخ التلاوة رفع أصل الكلام، بل رفع تبليغه و قطع علاقة المكلفين بتلاوته.
(١) إلّا أن الشيعة يقولون: بأن كلام الله حادث، و ليس بقديم، و إلّا لكان إله ثانيا غير الله «سبحانه و تعالى» و هذا مستحيل.
(٢) إن قدم الكلام في الله يرتبط بمسألة الكلام النفسي و أن من صفات الله تعالى الذاتية أنه متكلم.
و الحق الثابت عندنا: بطلان هذا الرأي في أصله و ما يتفرع عليه من فروع. و هذا أمر موكول إثباته إلى الفلسفة و علم الكلام. (المصنّف).