المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٥٤
الإجماع، ينبغي أن نجليها و نلتمس الحق فيها، فإن لها كل الأثر في تقييم الإجماع من جهة حجيته.
و لأجل أن تتوصل إلى الغرض المقصود لا بد من توجيه بعض الأسئلة لأنفسنا لنلتمس الجواب عليها:
أولا: من أين انبثق للأصوليين القول بالإجماع، فجعلوه حجة و دليلا مستقلا على الحكم الشرعي في مقابل الكتاب و السنة؟
ثانيا: هل المعتبر عند من يقول بالإجماع اتفاق جميع الأمة، أو اتفاق جميع العلماء في عصر من العصور، أو بعض منهم يعتد به؟ و من هم الذين يعتد بأقوالهم؟
أما السؤال الأول: فإن الذي يثيره في النفس و يجعلها في موضع الشك فيه: إن إجماع الناس جميعا على شيء أو إجماع أمة من الأمم بما هو إجماع و اتفاق لا قيمة علمية له في استكشاف حكم الله؛ لأنه لا ملازمة بينه و بين حكم الله. فالعلم به لا يستلزم العلم بحكم الله بأي وجه من وجوه الملازمة.
نعم الشيء الذي يجب ألا يفوتنا التنبيه عليه في الباب أنا قد قلنا فيما سبق في الجزء الثاني و سيأتي: إن تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء في القضايا المشهورة العملية التي نسميها الآراء المحمودة، و التي تتعلق بحفظ النظام و النوع يستكشف به الحكم الشرعي؛ لأن الشارع من العقلاء بل رئيسهم و هو خالق العقل فلا بد أن يحكم بحكمهم (١).
و لكن هذا التطابق ليس من نوع الإجماع المقصود، بل هو نفس الدليل العقلي الذي نقول بحجيته في مقابل الكتاب و السنة و الإجماع. و هو من باب التحسين و التقبيح العقليين (٢)؛ الذي ينكره هؤلاء الذاهبون إلى حجية الإجماع.
أما إجماع الناس- الذي لا يدخل في تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء- فلا سبيل إلى اتخاذه دليلا على الحكم الشرعي؛ لأن اتفاقهم قد يكون بدافع العادة أو العقيدة أو الانفعال النفسي أو الشبهة أو نحو ذلك. و كل هذه الدوافع من خصائص البشر لا يشاركهم الشارع فيها لتنزهه عنها. فإذا حكموا بشيء بأحد هذه الدوافع
(١) بل قد يقال: مقتضى الرئاسة أن يخالفهم أقلة في بعض الموارد، و ذلك لقصور العقل البشري.
(٢) و هو أن ما يحكم به العقلاء (بحسن الشيء أو قبحه) يحكم به الشرع.