المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٦٣ - ١٢- تصحيح جعل الأمارة
١٢- تصحيح جعل الأمارة:
بعد ما ثبت أن جعل الأمارة يشمل فرض انفتاح باب العلم- مع ما ثبت من اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل- تنشأ «شبهة عويصة» في صحة جعل الأمارة قد أشرنا إليها فيما سبق ص ٢٨، و هي:
أنه في فرض التمكن من تحصيل الواقع و الوصول إليه كيف جاز أن يأذن الشارع باتّباع الأمارة الظنية، و هي- حسب الفرض- تحتمل الخطأ المفوت للواقع. و الإذن في تفويته قبيح عقلا، لأن الأمارة لو كانت دالة على جواز الفعل- مثلا- و كان الواقع هو الوجوب أو الحرمة، فإن الإذن باتّباع الأمارة في هذا الفرض يكون إذنا بترك الواجب أو فعل الحرام، مع إن الفعل لا يزال باقيا على وجوبه الواقعي أو حرمته الواقعية، مع تمكن المكلف من الوصول إلى معرفة الواقع حسب الفرض. و لا شك في: قبح ذلك من الحكيم.
و هذه الشبهة هي التي ألجأت بعض الأصوليين إلى القول بأن الأمارة مجعولة على نحو «السببية» (١)، إذ عجزوا عن تصحيح جعل الأمارة على نحو «الطريقية» التي هي الأصل في الأمارة على ما سيأتي من شرح ذلك قريبا.
و الحق معهم إذا نحن عجزنا عن تصحيح جعل الأمارة على نحو الطريقية، لأن المفروض: أن الأمارة قد ثبتت حجيتها قطعا، فلا بدّ أن يفرض- حينئذ- في قيام الأمارة أو في اتّباعها مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على تقدير خطئها؛ حتى لا يكون إذن الشارع بتفويت الواقع قبيحا، ما دام أن تفويته له يكون لمصلحة أقوى و أجدى أو مساوية لمصلحة الواقع، فينشأ على طبق مؤدى الأمارة حكم ظاهري بعنوان أنه الواقع، إما أن يكون مماثلا للواقع عند الإصابة أو مخالفا له عند الخطأ.
و نحن- بحمد الله تعالى- نرى أن الشبهة (٢) يمكن دفعها على تقدير الطريقية، فلا حاجة إلى فرض السببية.
و الوجه في دفع الشبهة (٣): إنه بعد أن فرضنا أن القطع قام على أن الأمارة الكذائية كخبر الواحد حجة يجوز اتّباعها مع التمكّن من تحصيل العلم؛ فلا بدّ أن
(١) أي: أن الأمارة سبب لنشوء مصلحة إما في متعلقها، و إما في سلوكها، و تكون هذه المصلحة معوضة عن المكلف عن المصلحة- الواقعية الفائتة عنه-.
(٢) أي: شبهة ابن قبة.
(٣) على نحو الطريقية.