المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٢٨ - و قد يستدل على ذلك بما يلي
٢- و إن كنت تعني الجمود على خصوص ما ورد من آل البيت (عليهم السلام)، على وجه لا يجوز التعرض لظواهر القرآن و الأخذ بها مطلقا فيما لم يرد فيه بيان من قبلهم، حتى بالنسبة إلى من يستطيع فهمه من العارفين بمواقع الكلام و أساليبه و مقتضيات الأحوال، مع الفحص عن كل ما يصلح للقرينة أو ما يصلح لنسخه، فإنه أمر لا يثبته ما ذكروه له من أدلة.
و اتخذ عليكم الحجة، و بين لكم محابه من الأعمال و مكارهه منها ... إلى أن قال (عليه السلام):
و اعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش و الهادي الذي لا يضل، و المحدث الذي لا يكذب، و ما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزيادة أو نقصان زيادة في هدى أو نقصان من عمى ... إلخ» [١].
و كذا ما رواه حفص المؤذن و إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رسالة طويلة كتبها إلى جماعة من الشيعة، و فيها: «قد أنزل الله القرآن و جعل فيه تبيان كل شيء و جعل للقرآن و لتعلم القرآن أهلا ...» [٢]. و توجد طائفة أخرى من الروايات تأمر بإرجاع الشروط إلى الكتاب، و إن الشرط الذي يخالف الكتاب لا ينفذ، و الشرط الذي يوافق الكتاب ينفذ. و من جملة هذه الروايات: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عزّ و جلّ» [٣].
فهذه الطائفة مفادها: أن الشرط في المعاملة إن كان موافقا للكتاب يؤخذ به، و إن كان مخالفا فلا يؤخذ به، و محاولة إرجاع الشروط إلى الكتاب هذا فرع فهم ما يراد من الكتاب فلا بد أن نعرف أن القرآن ما هو معناه حتى نقول: أن هذا الشرط موافق أو مخالف. و مخالفة الشرط للكتاب في هذه الروايات تارة: يكون المراد بها مخالفته للفظ الكتاب، و تارة أخرى: يكون المراد بها مخالفته لواقع مضمونه بأن يكون للكتاب معنى معينا و الشرط مخالف له. فإذا كان المراد من المخالفة مخالفة لفظ الكتاب هذا يصدق على مخالفة ظاهر الكتاب؛ لأن الشرط الذي يكون مخالفا لظاهر الكتاب يقال:
أنه مخالف للكتاب، فهذه الروايات تأمر برده و تقول: إن مثل هذا الشرط لا قيمة له. و من الواضح:
أن هذا يعني: أن ظاهر الكتاب يكون حجة، و لذا يرد الشرط الذي يكون مخالفا له.
و أما إذا كان المراد من المخالفة المخالفة لواقع مضمون الكتاب فحينئذ: نستطيع أن نتمسك بالإطلاق المقامي أي: في مقام إقرار و إمضاء ما عليه العرف العام من فهم مضمون الكتاب. بمعنى: أن الروايات تقول: أيها العرف العام إن الشرط المخالف لواقع مضمون الكتاب يجب طرحه. و أما أن العرف العام كيف يفهم أن هذا واقع مضمون الكتاب حتى يميز بين الشرط الموافق له و الشرط المخالف له؟
العرف له طريقة في فهم مضمون الكتاب، و الطريقة العرفية لفهم مضمون الكتاب هو العمل
[١] نهج البلاغة، باب الخطب، الخطبة ١٧٦.
[٢] روضة الكافي، ج ١، ص ٥.
[٣] الوسائل، ج ١٢ الباب ٦ من أبواب الخيار، ح: ١.