المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٣ - ٤- منصوص العلة و قياس الأولوية
على وجه لا اختصاص لها بالمعلل- (الذي هو كالأصل في القياس)- فلا شك في:
أن الحكم يكون عاما شاملا للفرع، مثل ما لو قال: حرم الخمر لأنه مسكر، فيفهم منه حرمة النبيذ لأنه مسكر أيضا. و أما إذا لم يفهم منه ذلك، فلا وجه لتعدية الحكم إلى الفرع إلّا بنوع من القياس الباطل، مثل ما لو قيل: هذا العنب حلو لأن لونه أسود، فإنه لا يفهم منه أن كل ما لونه أسود حلو، بل العنب الأسود خاصة حلو.
و في الحقيقة: أنه بظهور النص في كون العلة عامة ينقلب موضوع الحكم من كونه خاصا بالمعلل إلى كون موضوعه كل ما فيه العلة، فيكون الموضوع عاما يشمل المعلل (الأصل) و غيره، و يكون المعلل من قبيل المثال للقاعدة العامة، لا إن موضوع الحكم هو خصوص المعلل (الأصل) و نستنبط منه الحكم في الفرع من جهة العلة المشتركة، حتى يكون المدرك مجرد الحمل و القياس، كما في الصورة الثانية، أي:
التي لم يفهم فيها عموم العلة.
و لأجل هذا نقول: إن الأخذ بالحكم في الفرع في الصورة الأولى يكون من باب الأخذ بظاهر العموم، و ليس هو من القياس في شيء ليكون القول بحجية التعليل استثناء من عمومات النهي عن القياس.
مثال ذلك: قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن يزيغ: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء ... لأن له مادة»، فإن المفهوم منه- أي: الظاهر منه- إن كل ماء له مادة واسع لا يفسده شيء، و أما ماء البئر فإنما هو أحد مصاديق الموضوع العام للقاعدة، فيشمل الموضوع بعمومه كلا من ماء البئر و ماء الحمام و ماء العيون و ماء حنفية الإسالة ...
و غيرها، فالأخذ بهذا الحكم و تطبيقه على هذه الأمور غير ماء البئر ليس أخذا بالقياس، بل هو أخذ بظهور العموم، و الظهور حجة.
هذا، و في عين الوقت لما كنا لا نستظهر من هذه الرواية شمول العلة- (لأن له مادة)- لكل ما له مادة و إن لم يكن ماء مطلقا، فإن الحكم- (و هو الاعتصام من التنجّس)- لا نعدّيه إلى الماء المضاف الذي له مادة إلّا بالقياس، و هو ليس بحجة.
و ما هنا يتضح الفرق بين الأخذ بالعموم في منصوص العلة و الأخذ بالقياس، فلا بد من التفرقة بينهما في كل علة منصوصة لئلا يقع الخلط بينهما. و من أجل هذا الخلط بينهما يكثر العثار في تعرف الموضوع للحكم.
و بهذا البيان و التفريق بين الصورتين يمكن التوفيق بين المتنازعين في حجية