المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩١ - ٣- الفرق بين التعارض و التزاحم (١)
٣- الفرق بين التعارض و التزاحم (١):
تقدم في ٢/ ٢٨٤ بيان الحق الذي ينبغي أن يعول عليه في سر التفرقة بين بابي التعارض و التزاحم، ثم بينهما من باب اجتماع الأمر و النهي.
و هو ما ذكرناه من الدور. و عليه: فيلزم التعارض بين الحكمين و يلزم تطبيق أحكام التعارض- التي هي تقديم الأقوى سندا أو دلالة- لعلمنا بكذب أحد التوقفين، إذ ثبوت كلا التوقفين مستحيل للزوم الدور، فيكون أحد التوقفين كاذبا، إن قلت: ما هو الفرق بين هذا الشكل و الشكل الأول؟
قلت: إنه في الشكل الأول كان كل واحد منهما موقوفا على عدم ثبوت الآخر لو لا المعارض، فالحج لو لا المعارضة بالنذر إذا كان وجوبه ثابتا فلا وجوب للوفاء بالنذر، و هكذا النذر لو لا المعارضة بالحج إذا كان وجوب الوفاء به ثابتا لم يكن للحج وجوب. و مثل هذا الورود من الجانبين معقول و يرتفع كلا الحكمين، و لا يكون هذا و لا ذاك ثابتا، لأن كل واحد منهما حيث أنه ثابت في نفسه لو لا المعارضة بالآخر فيكون الموضوع لارتفاع كل واحد منهما محققا فيرتفعان معا.
و هذا بخلافه في هذا الشكل فإن الموضوع لارتفاع كل واحد منهما ليس هو ثبوته في نفسه و لو لا المعارض بل هو ثبوته بالفعل، فإذا كان الأول ثابتا بالفعل- أي: كان ثابتا حتى بعد المعارضة لا بقطع النظر عنها- فالثاني مرتفع، و إذا كان الثاني ثابتا بالفعل فالأول مرتفع، و حيث أن كل واحد منهما لا يمكن أن يكون ثابتا بالفعل فتحصل المعارضة للعلم بعدم إمكان ثبوت كلا التوقفين.
(١) الفرق بين التعارض و التزاحم: التزاحم هو: التنافي بين الحكمين بسبب عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في عالم الامتثال، أي: يعجز المكلف عن امتثال الحكمين معا، و مثاله: كأن يقول الله «عزّ و جلّ»: «أكرم زيدا، و أكرم بكرا» و يعجز المكلف عن إكرام الاثنين معا لسبب من الأسباب لا علاقة له بصاحب الشريعة؛ بأن لا يوجد تعاند بين الوجوبين في عالم التشريع. و في مقام الامتثال في صورة التزاحم لها عدة صور.
الصورة الأولى: أن يكون بين المتزاحمين تعادل و تكافؤ. فالحكم فيهما التخيير بالاتفاق. و سيأتي بيانه في المتن.
الصورة الثانية: إذا كان أحد المتزاحمين أهم فيرجح في هذه الصورة الأهم. و ذكر النائيني خمسة أسباب توجب الاهتمام بأحد المتزاحمين دون الآخر و هي ما يلي:
«١- أن يكون أحد الواجبين مضيقا و الآخر موسعا، فيقدم الأول لأنه يفوت بفوات وقته، و يؤخر الثاني لإمكان أدائه في الوقت المحدد له! و هكذا ذكر النائيني برواية الخراساني، و هو خارج عن باب التزاحم حيث يستطيع المكلف و يقدر على الواجبين معا كل في وقته، و المفروض: أن المتزاحمين عجز المكلف عنهما و قدرته على واحد منهما فقط.
٢- أن يكون أحد المتزاحمين مشروطا بالقدرة الشرعية، و هي ما علّق الواجب عليها بنص دليله مثل:
من استطاع فليحج، و الثاني مشروط بالقدرة العقلية، و هي مجرد الطاقة على الفعل بلا عسر و حرج، فيقدم المشروط بالقدرة العقلية، و مثال ذلك: أن يستطيع المكلف الحج ذهابا و إيابا، و قبل السير و السفر