المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٨٦ - الباب الرابع أصالة التخيير في حالة الدوران بين المحذورين
تعبديا (١) و لو في واقعة واحدة: تصبح المسألة داخلة وادي الشك في المكلف به و خارجة من دوران الأمر بين المحذورين الدائر أمرهما بين الفعل و الترك، لأن المكلف و إن لم يتمكن من الموافقة القطعية (كالصورة الآتية) لكنه متمكن من المخالفة القطعية؛ بأن يفعل الأمر المردد في واقعة و يتركه في أخرى، أو يفعله بدون قصد التقرب أو يتركه لا بقصد التعبد، و لا يجوز له ذلك.
و لأجل هذا: فالعلم الإجمالي يوجب التنجيز، و يقتضي التأثير باختيار المكلف واحدا من الطرفين عقلا اضطرارا تنزلا إلى كفاية الموافقة الاحتمالية عند تعذر الموافقة القطعية؛ من دون الرجوع إلى أصالة الإباحة لأنه مخالفة عملية قطعية.
و في صورة عجزه عن المخالفة القطعية و هي ما إذا كان الحكمان توصليين في واقعة واحدة (٢)، أو كان أحدهما المعين تعبديا (٣) مع وحدة الواقعة، كان من باب دوران الأمر بين المحذورين فيختار أحدهما لا محالة، و لكن الأصحاب كل فرقة منهم أراد ترتب النتيجة على واحد من المسالك السبعة التي سردناها في مفتتح الأصالة، و نشير هنا رمزا إلى بطلانها و بيان ما هو الصحيح في المبحث:
و هو إن المكلف لا يخلو قهرا من الفعل أو الترك، فالمخالفة و الموافقة القطعيتان في مورد الكلام لا تتفق منه، ببرهان الاستحالة و هو عدم اجتماع النقيضين و عدم ارتفاعهما.
و من أجل ذلك العلم الإجمالي بلا أثر تكوينا و يكون الشك شكا في التكليف؛ إلّا أن الوجدان يقضي بأن العلم بجنس الإلزام الموجود في نوعي الوجوب و الحرمة يستدعي الالتزام بالفعل أو الترك بمناط الاضطرار التكويني لا بمناط الحسن و القبح
العبادة بنية القربة أو بدونها، فلو كانت طاهرة فهي تركت الصوم بترك نية القربة. و لو كانت حائضا فارتكبت معصية و هي التلبس بالصوم عبادة. (المصنف).
(١) و هو الوجوب مثلا: كما في المرأة الشاكة في حيضها، فأمر دخولها في المسجد الحرام حيث الحج يدور بين الوجوب و الحرمة. (المصنف).
(٢) مثل أن يموت شخص و علم إجمالا بوجوب دفنه لإسلامه. أو حرمة دفنه في مقابر المسلمين لكفره، أو يعلم إجمالا بوجوب شرب دواء أو حرمته. (المصنف).
(٣) كما لو نذر أن يكرم عليا بعطائه و أن يحرم خالدا عن عطائه لفسقه مع تبرع قصد القربة في أحد النذرين، ثم اشتبه عنده علي بخالد فلم يميز أي عطاء واجب و أيا آخر حرام بقصد القربة أو بدونه.
(المصنف).