المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٨ - وجه حجية العقل (٢)
هذه الدعوى الثانية، إذ قلنا: الحق أن معنى استحقاق المدح ليس إلّا استحقاق الثواب، و معنى استحقاق الذم ليس إلّا استحقاق العقاب، لا إنهما شيئان أحدهما يستلزم الآخر؛ لأن حقيقة المدح و المقصود منه هو: المجازاة بالخير لا المدح باللسان، و حقيقة الذم و المقصود منه هو: المجازاة بالشر لا الذم باللسان. و هذا المعنى هو الذي يحكم به العقل، و لذا قال المحققون من الفلاسفة: (إن مدح الشارع ثوابه و ذمه عقابه). و أرادوا هذا المعنى.
بل بالنسبة إلى الله تعالى لا معنى لفرض استحقاق المدح و الذم اللسانيين عنده (١)، بل ليس مجازاته بالخير إلّا الثواب، و ليس مجازاته بالشر إلّا العقاب.
و أما الشق الثاني من هذه الدعوى فالجواب عنه: أنه لما كان المفروض أن المدح و الذم من القضايا المشهورات التي تتطابق عليها آراء العقلاء كافة فلا بد أن يفرض فيه أن يكون صالحا لدعوة كل واحد من الناس. و من هنا نقول: إنه مع هذا الفرض يستحيل توجيه دعوة مولوية من الله تعالى ثانيا لاستحالة جعل الداعي مع فرض وجود ما يصلح للدعوة عند المكلف إلّا من باب التأكيد و لفت النظر. و لذا ذهبنا هناك إلى أن الأوامر الشرعية الواردة في موارد حكم العقل مثل: وجوب الطاعة و نحوها يستحيل فيها أن تكون أوامر تأسيسية (أي: مولوية)، بل هي أوامر تأكيدية (أي: إرشادية).
و أما أن هذا الإدراك لا يدعو إلّا الفذ من الناس فقد يكون صحيحا و لكن لا يضر في مقصودنا؛ لأنه لا نقصد من كون حكم العقل داعيا أنه داع بالفعل لكل أحد، بل إنما نقصد- و هو النافع لنا- أنه صالح للدعوة (٢).
(١) بمعنى: إن الشارع لا يمدح و لا يذم بلسان، و إنما مدحه هو المجازاة بالخير، و هو الثواب، و أن ذمه المجازاة بالشر و هو العقاب.
(٢) و بعبارة واضحة نقول: قد يرد إشكال على المصنف بوجود تناقض في كلامه حيث أنه قال: لا بد أن يكون صالحا لدعوة كل الناس لأنها مما تطابقت عليها آراء العقلاء، و هنا يقول: لا يدعو إلّا الأوحدي من الناس.
الجواب: نقول مقصوده من كلامه الأول هو: كون الإدراك صالحا للدعوة لكل أحد لا فعلية الدعوة لكل أحد.
بينما مقصوده من كلامه الثاني هو: فعلية الدعوة تختص بالفذ و الأوحدي من الناس. حينئذ لا تناقض في المقام.