المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٥ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
جديدا عند المسلمين في عهدهم لنقل الفلسفة اليونانية إلى العربية، الذي استدعى تحديد معاني كثير من الألفاظ و كسبها إطارا يناسب الأفكار الفلسفية، و إلّا فالجهل في أصل اللغة كان يعطي معنى يقابل الحكمة و التعقل و الروية، فهو يؤدي تقريبا معنى السفه أو الفعل السفهي عند ما يكون عن غضب مثلا و حماقة و عدم بصيرة و علم.
و على كل حال: هو بمعناه الواسع اللغوي يلتقي مع معنى الجهل المقابل للعلم الذي صار مصطلحا علميا بعد ذلك. و لكنه ليس هو إياه. و عليه، فيكون معنى (الجهالة): أن تفعل فعلا بغير حكمة و تعقل و روية الذي لازمه عادة إصابة عدم الواقع و الحق.
إذا عرفت هذه الشروح لمفردات الآية الكريمة يتضح لك معناها و ما تؤدي إليه من دلالة على المقصود في المقام:
إنها تعطي أن النبأ من شأنه أن يصدق به عند الناس و يؤخذ به من جهة أن ذلك من سيرتهم، و إلّا فلما ذا نهى عن الأخذ بخبر الفاسق من جهة أنه فاسق؟ فأراد تعالى أن يلفت أنظار المؤمنين إلى إنه لا ينبغي أن يعتمدوا كل خبر من أي مصدر كان، بل إذا جاء به فاسق ينبغي ألا يؤخذ به بلا ترو، و إنما يجب فيه أن يتثبّتوا أن يصيبوا قوما بجهالة، أي: بفعل ما فيه سفه و عدم حكمة قد يضر بالقوم. و السر في ذلك: إن المتوقع من الفاسق ألا يصدق في خبره فلا ينبغي أن يصدق و يعمل بخبره.
فتدل الآية بحسب المفهوم على: أن خبر العادل يتوقع منه الصدق، فلا يجب فيه الحذر و التثبت من إصابة قوم بجهالة. و لازم ذلك أنه حجة.
و الذي نقوله و نستفيده و له دخل في استفادة المطلوب من الآية: أن النبأ في مفروض الآية مما يعتمد عليه عند الناس و تعارفوا الأخذ به بلا تثبت؛ و إلّا لما كانت حاجة للأمر فيه بالتبيّن في خبر الفاسق، إذا كان النبأ من جهة ما هو نبأ لا يعمل به الناس.
و لما علقت الآية وجوب التبيّن و التثبّت على مجيء الفاسق يظهر منه بمقتضى مفهوم الشرط: إن خبر العادل ليس له هذا الشأن، بل الناس لهم أن يبقوا فيه على سجيتهم من الأخذ به و تصديقه من دون تثبت و تبين لمعرفة صدقه من كذبه؛ من