المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٤ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
به و طلبته. و على المعنى الثاني و هو التصدي للعلم به يتضمن معنى التثبت فيه و التأني فيه لكشفه و إظهاره و العلم به. و منه قوله تعالى في سورة النساء (٩٤): إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا، و من أجل هذا قرئ بدل فتبينوا: (فتثبتوا)، و منه كذلك هذه الآية التي نحن بصددها إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا و كذلك قرئ فيها (فتثبّتوا)، فإن هذه القراءة مما تدل على أن المعنيين (و هما التبيّن و التثبّت) متقاربان.
٢- أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ يظهر من كثير من التفاسير: أن هذا المقطع من الآية كلام مستأنف جاء لتعليل وجوب التبيّن. و تبعهم على ذلك بعض الأصوليين الذين بحثوا هذه الآية هنا.
و لأجل ذلك قدّروا لكلمة فَتَبَيَّنُوا مفعولا، فقالوا مثلا: (معناه فتبيّنوا صدقه من كذبه)، كما قدّروا لتحقيق نظم الآية و ربطها لتصلح هذه الفقرة أن تكون- تعليلا- كلمة تدل على التعليل بأن قالوا: (معناها: خشية أن تصيبوا قوما بجهالة، أو حذار أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا قوما ...) و نحو ذلك.
و هذه التقديرات كلّها تكلّف و تمحّل لا تساعد عليها قرينة و لا قاعدة عربية. و من العجيب أن يؤخذ ذلك بنظر الاعتبار و يرسل إرسال المسلّمات.
و الذي أرجحه: أن مقتضى سياق الكلام و الاتساق مع أصول القواعد العربية أن يكون قوله: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً ... مفعولا لتبيّنوا، فيكون معناه (فتثبّتوا و احذروا إصابة قوم بجهالة).
و الظاهر أن قوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ يكون كناية عن لازم معناه، و هو عدم حجية خبر الفاسق، لأنه لو كان حجة لما دعا إلى الحذر من إصابة قوم بجهالة عند العمل به ثم من الندم على العمل به.
٣- (الجهالة): اسم مأخوذ من الجهل أو مصدر ثان له، قال عنها أهل اللغة:
(الجهالة: أن تفعل فعلا بغير العلم) ثم هم فسروا الجهل بأنه المقابل للعلم، عبروا عنه تارة: بتقابل التضاد و أخرى بتقابل النقيض، و إن كان الأصح في التعبير العلمي أنه من تقابل العدم و الملكة.
و الذي يبدو لي من تتبع استعمال كلمة الجهل و مشتقاتها في أصول اللغة العربية:
أن إعطاء لفظ الجهل معنى يقابل العلم بهذا التحديد الضيق لمعناه جاء مصطلحا