المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٠٠ - ٢- التفصيل بين الشك في المقتضى و الرافع
و أولاها، و فيه من البلاغة في البيان ما ليس في غيره، كما أن فيه المحافظة على ظهور الأخبار و سياقها في إسناد النقض إلى نفس اليقين، و قد استظهرنا منها كما تقدم في المقدمة الأولى: أن وثاقة اليقين بما هو يقين هي المقتضية للتمسك به، و في الكناية- كما هو المعروف- بيان للمراد مع إقامة الدليل عليه، فإن المراد الاستعمالي هنا الذي هو حرمة نقض اليقين بالشك يكون كالدليل و المستند للمراد الجدي المقصود الأصلي في البيان، و المراد الجدي هو: لزوم العمل على وفق المتيقن بلسان النهي عن نقض اليقين.
ثالثا: بعد ما تقدم ينبغي أن نسأل عن المراد من النقض في الأخبار، هل المراد النقض الحقيقي أو النقض العملي؟ المعروف أن إرادة النقض الحقيقي محال، فلا بد أن يراد النقض العملي؛ لأن نقض اليقين- كما تقدم- ليس تحت اختيار المكلف، فلا يصح النهي عنه. و على هذا بنى الشيخ الأعظم و صاحب الكفاية و غيرهما. و لكن التدقيق في المسألة يعطي غير هذا؛ إنما يلزم هذا المحذور لو كان النهي عن نقض اليقين مرادا جديا، أما على ما ذكرناه من أنه على وجه الكناية، فإنه- كما ذكرنا- يكون مرادا استعماليا فقط، و لا محذور في كون المراد الاستعمالي- في الكناية- محالا أو كاذبا في نفسه، إنما المحذور إذا كان المراد الجدي المكنى عنه كذلك.
و عليه: فحمل النقض على معناه الحقيقي أولى ما دام أن ذلك يصح بلا محذور.
النتيجة: إنه إذا تمت هذه المقدمات فصح إسناد النقض الحقيقي إلى اليقين من أجل وثاقته من جهة ما هو يقين، و إن كان النهي عنه يراد به لازم معناه- على سبيل الكناية- فإنا نقول: إن اليقين لما كان في نفسه مبرما و محكما فلا يحتاج في صحة إسناد النقض إليه إلى فرض أن يكون متعلقه مما له استعداد في ذاته للبقاء، و إنما يلزم ذلك لو كان الإسناد اللفظي إلى نفس المتيقن و لو على نحو المجاز. و أما كون أن المراد الجدي هو النهي عن ترك مقتضى اليقين الذي هو عبارة عن لزوم العمل بالمتيقن، فإن ذلك مراد لبّي و ليس فيه إسناد للنقض إلى المتيقن في مقام اللفظ حتى يكون ذلك قرينة لفظية على المراد من المتيقن. و السر في ذلك: إن الكناية لا يقدر فيها لفظ المكنّى عنه على إن المكنّى عنه ليس هو حرمة نقض المتيقن بل- كما تقدم- هو حرمة ترك مقتضى اليقين الذي هو عبارة عن لزوم العمل بالمتيقن، فلا نقض مسند إلى المتيقن لا لفظا و لا لبّا، حتى يكون ذلك قرينة على أن المراد من المتيقن هو