المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠٩ - ٦- القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير (٢)
التصرف في ظهور مظنون الدلالة أو طرحهما معا، فإن كان مقطوع الدلالة صالحا للتصرف بحسب عرف أهل المحاورة في ظهور الآخر تعين ذلك، إذ يكون قرينة على المراد من الآخر فيدخل بحسبه في الظواهر التي هي حجة، و أما إذا لم يكن لمقطوع الدلالة هذه الصلاحية: فإن تأويل الظاهر تبرعا لا يدخل في الظواهر حينئذ ليكون حجة ببناء العقلاء و لا دليل آخر عليه كما تقدم في الصورة الثانية، و يتعين في هذا الفرض- طرح هذين الدليلين- طرح مقطوع الدلالة من ناحية السند، و طرح مقطوع السند من ناحية الدلالة، فلا يكون الجمع أولى، إذ ليس إجراء دليل أصالة السند بأولى من دليل أصالة الظهور، و كذلك العكس، و لا معنى في هذه الحالة للرجوع إلى المرجحات في السند مع القطع بسند أحدهما كما هو واضح.
و إن كانت الرابعة، فإن الأمر يدور فيها بين التصرف في أصالة السند في أحدهما و التصرف في أصالة الظهور في الآخر، لا إن الأمر يدور بين السندين و لا بين الظهورين، و السر في هذا الدوران: أن دليل حجية السند يشملهما معا على حد سواء بلا ترجيح لأحدهما على الآخر حسب الفرض، و كذلك دليل حجية الظهور.
و لما كان يمتنع اجتماع ظهورهما لفرض تعارضهما، فإذا أردنا أن نأخذ بسندهما معا، لا بد أن نحكم بكذب ظهور أحدهما، فيصادم حجية سند أحدهما حجية ظهور الآخر، و كذلك إذا أردنا أن نأخذ بظهورهما معا لا بد أن نحكم بكذب سند أحدهما فيصادم حجية ظهور أحدهما حجية سند الآخر، فيرجع الأمر في هذه الحالة إلى الدوران بين حجية سند أحدهما و حجية ظهور الآخر.
و إذا كان الأمر كذلك فليس أحدهما أولى من الآخر، كما تقدم.
نعم لو كان هناك جمع عرفي بين ظهوريهما فإنه حينئذ لا تجري أصالة الظهور فيهما على حد سواء، بل المتبع في بناء العقلاء ما يقتضيه الجمع العرفي الذي يقتضي الملاءمة بينهما، فلا يصلح كل منهما لمعارضة الآخر.
و من هنا نقول: إن الجمع العرفي أولى من الطرح، بل بالجمع العرفي يخرجان عن كونهما متعارضين- كما سيأتي- فلا مقتضى لطرح أحدهما أو طرحهما معا.
أما إذا لم يكن بينهما جمع عرفي، فإن الجمع التبرعي لا يصلح للملاءمة بين ظهوريهما، فتبقى أصالة الظهور حجة في كل منهما، فيبقيان على ما هما عليه من التعارض، فإما أن يقدم أحدهما على الآخر لمزية أو يتخير بينهما أو يتساقطان.