المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٥ - ٧- حجية العلم ذاتية
و عليه، فلا يعقل التصرف بأسبابه (١)، كما نسب ذلك إلى بعض الأخباريين من حكمهم بعدم تجويز الأخذ بالقطع إذا كان سببه من مقدّمات عقلية، و قد أشرنا إلى ذلك في المجلد الأوّل، ص ٣٦٦.
و كذلك لا يمكن التصرف فيه من جهة الأشخاص بأن يعتبر قطع شخص و لا يعتبر قطع آخر، كما قيل بعدم الاعتبار بقطع القطاع قياسا على كثير الشكّ الذي حكم شرعا بعدم الاعتبار بشكه في ترتب أحكام الشك.
و كذلك لا يمكن التصرف فيه من جهة الأزمنة و لا من جهة متعلقه؛ بأن يفرق في اعتباره بين ما إذا كان متعلقه الحكم فلا يعتبر (٢)، و بين ما إذا كان متعلقه موضوع الحكم أو متعلقه فيعتبر (٣).
فإن القطع في كل ذلك طريقيته ذاتية غير قابلة للتصرف فيها بوجه من الوجوه،
بالنسبة إلى تلك الحرمة، و وجه التسمية هو: أن القطع في هذه الصورة مجرد طريق إلى الحرمة الثابتة للحم الخنزير في الواقع و في عالم الجعل. و هذا القطع حجة و منجز على المكلف.
و أما المراد من القطع الموضوعي فهو: ما أخذ قيدا في ثبوت الحكم. كأن يحكم الشارع المقدس بأن ما تقطع بأنه خمر حرام، فلا يحرم الخمر إلّا إذا قطع المكلف بأنه خمر، يسمى القطع في هذه الصورة بالقطع الموضوعي لأنه دخيل في وجود الحرمة، فالحرمة ليست لها وجود واقعا، و إنما القطع هو الذي أنشأها و أولدها. و هذا القطع ليس حجة و منجزا. إذا: في هذه الصورة لا يكون القطع بالخمرية منجزا للحرمة لأنه لا يكشف عنها كما في القطع الطريقي. و إنما يولدها و ينشئها.
قال السيد ميرزا حسن البجنوردي في كتابه منتهى الأصول، ج ٢، ص ٢٥: إنه يمكن أن يكون المراد من مقالة الأخباريين من أن القطع الحاصل عن المقدّمات العقلية ليس بحجّة هو القطع الموضوعي، بمعنى: أنّ الشارع قيّد موضوع الأحكام الواقعية بالقطع بتلك الأحكام من غير المقدمات العقلية، و بناء على هذا: لا يكون كلامهم مستهجنا كما توهّموا و تخيّلوا و استشكلوا عليهم بأنّ حجيّة القطع ذاتي و لا يمكن رفعه و نفيه، كما لا يمكن إثباته و وضعه.
(١) أي: أسباب القطع. و محصل هذا الكلام هو: أنه ما دامت الحجيّة هي عين القطع و لازم ذاتي للقطع يستحيل سلبها عنه مهما كانت أسباب القطع، خلافا للأخباريين القائلين بأن القطع إذا كان ناشئا من سبب عقلي فهو ليس بحجة، و أما إذا كان ناشئا من سبب شرعي فهو حجة، و هذا غير معقول؛ لأنه يلزم التفكيك بين الشيء و ذاتياته، و نسبة هذا القول إلى الأخباريين فيه تأمل. فراجع الكفاية.
(٢) و ذلك فيما لو كان القطع بالحرمة فإن متعلق القطع هو الحكم.
(٣) و ذلك في قوله: «صلّ» فإن موضوع الحكم هو المكلف، و متعلق الحكم «صلّ» الصلاة، فالقطع في هذين الموردين يكون معتبرا.