المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٣ - ٧- حجية العلم ذاتية
و عليه، فلا معنى لفرض جعل الطريقية للقطع جعلا تأليفيا أي: بأي نحو فرض للجعل، سواء كان جعلا تكوينيا أم جعلا تشريعيا (١)، فإن ذلك مساوق لجعل القطع لنفس القطع، و جعل الطريق لذات الطريق.
و على تقدير التنزل عن هذا و قلنا: من قال إن القطع شيء له الطريقية و الكاشفية عن الواقع، كما وقع في تعبيرات بعض الأصوليين المتأخرين عن الشيخ. فعلى الأقل تكون الطريقية من لوازم ذاته التي لا تنفك عنه، كالزوجيّة بالنسبة إلى الأربعة (٢)، و لوازم الذات كالذات يستحيل أيضا جعلها بالجعل التأليفي على ما هو الحق، و إنما يكون جعلها بنفس جعل الذات جعلا بسيطا لا بجعل آخر وراء جعل الذات. و قد أوضحنا ذلك في مباحث الفلسفة.
و إذا استحال جعل الطريقية للقطع استحال نفيها عنه؛ لأنه كما يستحيل جعل الذات و لوازمها يستحيل نفي الذات و لوازمها عنها و سلبها بالسلب التأليفي (٣).
بل نحن إنما نعرف استحالة جعل الذات و الذاتي و لوازم الذات بالجعل التأليفي؛ لأنا نعرف أوّلا امتناع انفكاك الذات عن نفسها و امتناع انفكاك لوازمها عنها، كما تقدم بيانه.
على أن نفي الطريقية عن القطع يلزم منه التناقض بالنسبة إلى القاطع و في نظره، فإنه- مثلا- حينما يقطع بأن هذا الشيء واجب يستحيل عليه أن يقطع ثانيا بأن هذا القطع ليس طريقا موصلا إلى الواقع، فإن معنى هذا أن يقطع ثانيا بأن ما قطع بأنه واجب ليس بواجب مع فرض بقاء قطعه الأوّل على حاله.
(١) فحينما يوجد الجسم فكل لوازمه التكوينية توجد له، منها كونه يشمل حيزا من الفراغ لا إن الشارع يجعلها.
كذلك الشارع لا يجعل الحجية للقطع عند حصوله للمكلف لا تكوينيا و لا تشريعيا، بأن لو حصل القطع للمكلف لا يأتي الشارع قائلا: جعلت لقطعك الحجية، أي: فيما لو قطع المكلف بشيء ما، و حصل له الانكشاف التام لا يعقل أن يجعل الشارع الانكشاف التام لهذا الانكشاف التام الذي حصل للمكلف.
(٢) فإن الزوجية لا تنفك عن الأربعة؛ لأن الأربعة من اللوازم الذاتية للزوجية، و كذلك لا يمكن جعل الزوجية للأربعة لنفس النكتة.
(٣) نعم يمكن سلبها بالسلب البسيط بأن نقول: الأربعة غير موجودة، فإذا نفيت الأربعة تنتفي الزوجيّة.