المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥١ - ١٠- مقدمات دليل الانسداد (١)
أما (الأولى): و هي تقليد الغير في انفتاح باب العلم فلا يجوز؛ لأن المفروض: أن المكلف يعتقد بالانسداد فكيف يصح له الرجوع إلى من يعتقد بخطئه و أنه على جهل؟
العالم، و ليس المقام منه حتى يشمله دليل جواز التقليد، ضرورة: أن الانسدادي يعتقد بخطإ الانفتاحي، فالانفتاحي جاهل بنظر الانسدادي، و هو ليس من باب رجوعه إليه من رجوع الجاهل إلى العالم حتى يشمله دليله فيبطل حينئذ رجوع الانسدادي إلى الانفتاحي. و قد نبه عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) في رسائله بما حاصله: «و أمّا رجوع هذا الجاهل الذي انسدّ عليه باب العلم في المسائل المشتبهة إلى فتوى العالم بها و تقليده فيها، فهو باطل لوجهين: أحدهما الإجماع القطعي.
و الثاني: أنّ الجاهل الذي وظيفته الرجوع إلى العالم هو الجاهل العاجز عن الفحص.
و أمّا الجاهل الذي يبذل الجهد و شاهد مستند العالم و غلّطه في استناده إليه و اعتقاده عنه، فلا دليل على حجّيّة فتواه بالنسبة إليه. و ليست فتواه من الطرق المقرّرة لهذا الجاهل. فإنّ من يخطّئ القائل بحجيّة خبر الواحد في فهم دلالة آية النبأ عليها، كيف يجوز له متابعته؟ و أيّ مزيّة له عليه حتى يجب رجوع هذا إليه و لا يجب العكس؟
و هذا هو الوجه فيما أجمع عليه العلماء، من أنّ المجتهد إذا لم يجد دليلا في المسألة على التكليف كان حكمه الرجوع إلى البراءة، لا إلى من يعتقد وجود الدليل على التكليف.
و الحاصل: إن اعتقاد مجتهد ليس حجّة على مجتهد آخر خال عن ذلك الاعتقاد، و أدلة وجوب رجوع الجاهل إلى العالم يراد بها العالم الذي يختفي منشأ علمه على ذلك الجاهل، لا مجرّد المعتقد بالحكم. و لا فرق بين المجتهدين المعتقدين المختلفين في الاعتقاد و بين المجتهدين اللذين أحدهما اعتقد الحكم عن دلالة و الآخر اعتقد بفساد تلك الأدلة، فلم يحصل له اعتقاد. و هذا شيء مطّرد في باب مطلق رجوع الجاهل إلى العالم، شاهدا كان أو مفتيا أو غيرهما».
المقدمة الرابعة: على حساب المصنف و هي لزوم الإطاعة الظنية عند عدم التمكن من الإطاعة العلمية و هذا مما يستقل به العقل، إذ الأمر يدور بين الرجوع إلى الطرف الراجح في الظن، و بين الرجوع إلى الطرف المرجوح، أي: الموهوم. و لا شك في: أن الآخذ بطرف المرجوح ترجيح للمرجوح على الراجح، و هو قبيح عقلا على حد تعبير المصنف. و قد ذكر الشيخ الأنصاري في توضيح ذلك بطرح مراتب الإطاعة و هي أربع إلّا أنه (قدس سره) قبل أن يذكرها ذكر مقدمة و هي كالتالي في المقدمة الرابعة في: أنّه إذا وجب التعرض لامتثال [الواقع في مسألة واحدة أو في مسائل، و لم يمكن الرجوع فيها إلى الأصول، و لم يجب أو لم يجز الاحتياط، تعيّن العمل فيها بمطلق الظنّ. و لعلّه لذلك يجب العمل بالظنّ في الضرر و العدالة و أمثالهما.
إذا تمهّدت هذه المقدمات فنقول: قد ثبت وجوب العمل بالظنّ فيما نحن فيه. و محصّلها: أنّه إذا ثبت انسداد باب العلم و الظنّ الخاصّ كما هو مقتضى المقدمة الأولى، و ثبت وجوب امتثال] الأحكام المشتبهة و عدم جواز إهمالها بالمرّة كما هو مقتضى المقدمة الثانية، و ثبت عدم وجوب كون الامتثال