المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٦٠ - ١- تعريف القياس
و الذي يبدو: أن المخالفين لآل البيت الذين سلكوا غير طريقهم و لم يعجبهم أن يستقوا من منبع علومهم أعوزهم العلم بأحكام اللّه و ما جاء به الرسول (صلى الله عليه و آله)، فالتجئوا إلى أن يصطنعوا الرأي و الاجتهادات الاستحسانية للفتيا و القضاء بين الناس، بل حكّموا الرأي و الاجتهاد حتى فيما يخالف النص، أو جعلوا ذلك عذرا مبررا لمخالفة النص، كما في قصة تبريز الخليفة الأول لفعلة خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة و قد خلا بزوجته ليلة قتله، فقال عنه: (إنه اجتهد فأخطأ)، و ذلك لما أراد الخليفة عمر بن الخطاب أن يقاد به و يقام عليه الحد (١).
و كان الرأي و القياس غير واضح المعالم عند من كان يأخذ به من الصحابة و التابعين، حتى بدأ البحث فيه لتركيزه و توسعة الأخذ به في القرن الثاني على يد أبي حنيفة و أصحابه. ثم بعد أن أخذت الدولة العباسية تساند أهل القياس، و بعد ظهور النقاد له انبرى جماعة من علمائهم لتحديد معالمه و توسيع أبحاثه، و وضع القيود و الاستدراكات له، حتى صار فنا قائما بنفسه.
و نحن يهمنا منه البحث عن موضع الخلاف فيه و حجيته، فنقول:
١- تعريف القياس:
إن خير التعريفات للقياس- في رأينا- أن يقال: «هو إثبات حكم في محل بعلة لثبوته في محل آخر بتلك العلة». و المحل الأول، و هو المقيس،- يسمى (فرعا)، و المحل الثاني، و هو المقيس عليه، يسمى (أصلا). و العلة المشتركة تسمى (جامعا).
و في الحقيقة: أن القياس عملية من المستدل (أي: القائس) لغرض استنتاج حكم شرعي لمحل لم يرد فيه نص بحكمه الشرعي، إذ توجب هذه العملية عنده الاعتقاد يقينا أو ظنا بحكم الشارع.
و العملية القياسية هي نفس حمل الفرع على الأصل في الحكم الثابت للأصل شرعا، فيعطي القائس حكما للفرع مثل حكم الأصل، فإن كان الوجوب أعطى له الوجوب، و إن كان الحرمة فالحرمة ... و هكذا.
و معنى هذا الإعطاء: أن يحكم بأن الفرع ينبغي أن يكون محكوما عند الشارع بمثل حكم الأصل للعلة المشتركة بينهما، و هذا الإعطاء أو الحكم هو الذي يوجب
(١) راجع كتاب «السقيفة» للمؤلف ص ١٧، الطبعة الثالثة.