المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٦٣ - ١- هل القياس يوجب العلم؟
غير طريق التبليغ بالأدلة السمعية، أما وجود الإسكار في الخمر و غيره من المسكرات فأمر يعرف بالوجدان، و لكن لا ربط لذلك بمعرفة كونه هو الملاك في التحريم، فإنه ليس هذا من الوجدانيات.
و على كل حال، فإن السر في أن الأحكام و ملاكاتها لا مسرح للعقول في معرفتها واضح؛ لأنها أمور توقيفية من وضع الشارع، كاللغات و العلامات و الإشارات التي لا تعرف إلّا من قبل واضعيها، و لا تدرك بالنظر العقلي، إلّا من طريق الملازمات العقلية القطعية التي تكلمنا عنها فيما تقدم في بحث الملازمات العقلية في الجزء الثاني، و في دليل العقل من هذا الجزء، و القياس لا يشكل ملازمة عقلية بين حكم المقيس عليه و حكم المقيس.
نعم إذا ورد نص من قبل الشارع في بيان علة الحكم في المقيس عليه فإنه يصح الاكتفاء به في تعدية الحكم إلى المقيس بشرطين:
(الأول): أن نعلم بأن العلة المنصوصة تامة يدور معها الحكم أينما دارت.
و (الثاني): أن نعلم بوجودها في المقيس.
و الخلاصة: إن القياس في نفسه لا يفيد العلم بالحكم؛ لأنه لا يتكفل ثبوت الملازمة بين حكم المقيس عليه و حكم المقيس، و يستثنى منه منصوص العلة بالشرطين اللذين تقدما. و في الحقيقة إن منصوص العلة ليس من نوع القياس (١) كما سيأتي بيانه. و كذلك قياس الأولوية (٢).
و لأجل أن يتضح الموضوع أكثر نقول: إن الاحتمالات الموجودة في كل قياس خمسة، و مع هذه الاحتمالات لا تحصل الملازمة بين حكم الأصل و حكم الفرع،
(١) بل هو من باب تطبيق القاعدة على مصاديقها.
القاعدة: كل مسكر حرام. هذه القاعدة تطبق على مصاديقها في الخارج.
(٢) فإن قياس الأولوية يدخل في باب الظواهر كقوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ...، فإن هذه الآية تدل بالأولوية على عدم الضرب، فلا يوجد قياس باطل في المقام. و كذا تنقيح المناط فإنه ليس بقياس بل هو في قوة منصوص العلة.
و بعبارة أخرى نقول: إن القياس لا يفيد العلم إلّا إذا علمنا بالمناط و العلم بالمناط غير ممكن حصوله عند العقل؛ لأن العقل لا مسرح له لإدراك ملاكات الشارع بل هي أمور توقيفية للشارع، فيبقى القياس يفيد الظن فقط، و لا دليل على حجيته.