المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٣٨ - المقام الثالث في التعدي عن المرجحات المنصوصة
بناء العقلاء الذي هو أقوى أدلة حجيتها، فإن الظاهر أن بناءهم على العمل بكل ما هو أقرب إلى الواقع من الخبرين المتعارضين، أي: أن العقلاء و أهل العرف في مورد التعارض بين الخبرين غير المتكافئين لا يتوقفون في العمل بما هو أقرب إلى الواقع في نظرهم، و لا يبقون في حيرة من ذلك، و إن كانوا يعملون بالخبر الآخر المرجوح لو بقي وحده بلا معارض. و إذا كان للعقلاء مثل هذا البناء العملي فإنه يستكشف منه رضا الشارع و إمضاؤه على ما تقدم وجهه في خبر الواحد و الظواهر.
و إن قلنا: إن دليل الأمارة غير كاف و لا بد من دليل جديد، فلا محالة يجب الاقتصار على المرجحات المنصوصة، إلّا إذا استفدنا من أدلة الترجيح عموم الترجيح بكل مزية توجب أقربية الأمارة إلى الواقع، كما ذهب إليه الشيخ الأعظم، فإنه أكد في الرسائل: على أن المستفاد من الأخبار: أن المناط في الترجيح هو الأقربية إلى مطابقة الواقع في نظر الناظر في المتعارضين، من جهة أنه أقرب من دون مدخلية خصوصية سبب و مزية. و قد ناقش هذه الاستفادة صاحب الكفاية فراجع.
ثانيا: إذا قلنا بأن القاعدة الأولية في المتعارضين هو التخيير، فإن الترجيح- على كل حال- لا يحتاج إلى دليل جديد، فإن احتمال تعين الراجح كاف في لزوم الترجيح، لأنه يكون المورد من باب الدوران بين التعيين و التخيير، و العقل يحكم بعدم جواز تقديم المرجوح على الراجح لا سيما في مقامنا، و ذلك لأنه بناء على القول بالتخيير يحصل العلم بأن الراجح منجز للواقع إما تعيينا و إما تخييرا، و كذلك هو معذر عند المخالفة للواقع، و أما المرجوح: فلا يحرز كونه معذرا و لا يكون العلم به معذرا بالفعل لو كان مخالفا للواقع.
و عليه، فيجوز الاقتصار على العمل بالراجح بلا شك، لأنه معذر قطعا على كل حال سواء وافق الواقع أو خالفه، و لا يجوز الاقتصار على العمل بالمرجوح لعدم إحراز كونه معذرا.
ثالثا: إذا قلنا بأن القاعدة الثانوية الشرعية في المتعارضين هو التخيير كما هو المشهور- و إن كانت القاعدة الأولية العقلية هي التساقط- فلا بد أن نرجع إلى مقدار دلالة أخبار الباب، فإن استفدنا منها التخيير مطلقا- حتى مع وجود المرجحات- فذلك دليل على عدم اعتبار الترجيح مطلقا بأي مرجح كان، و إن استفدنا منها التخيير في صورة تكافؤ المتعارضين فقط: فلا بد من استفادة الترجيح من نفس