المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٣٦ - المقام الثاني في المفاضلة بين المرجحات
فهو أولى بالتقديم.
و قد أصر شيخنا النائيني «أعلى اللّه درجته»، على الأول، أي: أنه يرى أن القاعدة تقتضي تقديم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي، و بنى ذلك على كون الخبر صادرا لبيان الحكم الواقعي لا لغرض آخر يتفرع على فرض صدوره حقيقة أو تعبدا؛ لأن جهة الصدور من شئون الصادر، فما لا صدور له لا معنى للكلام عنه أنه صادر لبيان الحكم الواقعي أو لبيان غيره. و عليه: فإذا كان الخبر الموافق للعامة مشهورا و كان الخبر الشاذ مخالفا لهم كان الترجيح للشهرة دون مخالفة الآخر للعامة؛ لأن مقتضى الحكم بحجة المشهور عدم حجية الشاذ، فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعي، ليحمل المشهور على التقية، إذ لا تعبد بصدور الشاذ حينئذ.
أقول: إن المسلم إنما هو تأخر رتبة الحكم بكون الخبر صادرا لبيان الواقع أو لغيره عن الحكم بصدوره حقيقة أو تعبدا و توقف الأول على الثاني، و لكن ذلك غير المدعى، و هو توقف مرجح الأول على مرجح الثاني فإنه ليس المسلم نفس المدعى، و لا يلزمه.
أما أنه ليس نفسه فواضح لما قلناه من: أن المسلم هو توقف الأول على الثاني، و هو بالبديهة غير توقف مرجحه على مرجحه الذي هو المدعى.
و أما إنه لا يستلزمه فكذلك واضح، فإنه إذا تصورنا هناك خبرين متعارضين:
١- مشهورا موافقا للعامة.
٢- شاذا مخالفا لهم.
فإن الترجيح للشاذ بالمخالفة إنما يتوقف على حجيته الاقتضائية الثابتة له في نفسه، لا على فعلية حجيته، و لا على عدم فعلية حجية المشهور في قباله، بل فعلية حجية الشاذ تنشأ من الترجيح له بالمخالفة، و يترتب عليها حينئذ عدم فعلية حجية المشهور.
و كذلك الترجيح للمشهور بالشهرة إنما يتوقف على حجيته الاقتضائية الثابتة له في نفسه، لا على فعلية حجيته، و لا على عدم فعلية حجية الشاذ في قباله، بل فعلية حجية المشهور تنشأ من الترجيح له بالشهرة، و يترتب عليها حينئذ عدم فعلية حجية الشاذ.
و عليه: فكما لا يتوقف الترجيح بالشهرة على عدم فعلية الشاذ المقابل له، كذلك لا يتوقف الترجيح بالمخالفة على عدم فعلية المشهور المقابل له، و من ذلك يتضح: إنه