المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٦٩ - ١٤- المصلحة السلوكية
و على كل حال، فإن الظاهر أن الفارق عنده بين السببية المحضة و بين المصلحة السلوكية بمقتضى عبارته قبل التصحيح المذكور: أن المصلحة على الأوّل: تكون قائمة بذات الفعل، و على الثاني: قائمة بعنوان آخر هو السلوك، فلا تزاحم مصلحته مصلحة الفعل.
و لكننا لم نتعقل هذا الفارق المذكور، لأنه إنما يتم إذا استطعنا أن نتعقل لعنوان السلوك عنوانا مستقلا في وجوده عن ذات الفعل لا ينطبق عليه و لا يتحد معه، حتى لا تزاحم مصلحته مصلحة الفعل، و تصوير هذا في غاية الإشكال (١). و لعل هذا هو السر في مناقشة تلاميذه له، فحمل بعضهم على إضافة كلمة (الأمر)، ليجعل المصلحة تعود إلى نفس الأمر لا إلى متعلقه فلا يقع التزاحم بين المصلحتين.
وجه الإشكال: (أوّلا): إننا لا نفهم من عنوان السلوك و الاستناد إلى الأمارة إلّا عنوانا للفعل الذي تؤدي إليه الأمارة بأي معنى فسرنا السلوك و الاستناد، إذ ليس للسلوك و متابعة الأمارة وجود آخر مستقل غير نفس وجود الفعل المستند إلى الأمارة.
نعم، إذا أردنا من الاستناد إلى الأمارة معنى آخر، و هو الفعل القصدي من النفس، فإن له وجودا آخر غير وجود الفعل؛ لأنه فعل قلبي جوانحي لا وجود له إلّا وجودا قصديا. و لكنه من البعيد جدا أن يكون ذلك غرض الشيخ من السلوك؛ لأن هذا الفعل القلبي إنما يصح أن يفرض وجوبه في خصوص الأمور العبادية، و لا معنى للالتزام بوجوب القصد في جميع أفعال الإنسان المستند فعلها إلى الأمارة (٢).
(ثانيا): على تقدير تسليم اختلافهما (٣) وجودا، فإن قيام المصلحة بشيء إنما يدعو إلى تعلق الأمر به (٤) لا بشيء آخر غيره وجودا (٥) و إن كانا متلازمين في الوجود.
(١) و بعبارة واضحة نقول: إن عنوان السلوك مع عنوان ذات الفعل هما متحدان وجودا، فإذا قامت الأمارة على وجوب شرب هذا السائل: فإذا قلنا إن المصلحة في الفعل فمعناه: أن المصلحة في شرب السائل، و إذا قلنا: إن المصلحة في السلوك فمعناه أن المصلحة في شرب السائل، فلا نتعقل مخالفا لوجود الفعل بل وجودهما واحد.
(٢) كالأمور التوصلية فإنها لا يشترط فيها القصد القلبي.
(٣) الضمير يعود على السلوك و الفعل.
(٤) أي: بالسلوك.
(٥) أي: لا بذات الفعل.