المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣١٠
فتحصل من ذلك كله: إنه لا مجال للقول بأولوية الجمع التبرعي من الطرح في كل صورة مفروضة للمتعارضين.
إذا عرفت ما ذكرناه من الأمور- في (المقدمة)- فلنشرع في المقصود، و الأمور التي ينبغي أن نبحثها ثلاثة: الجمع العرفي، و القاعدة الثانوية في المتعادلين، و المرجحات السندية و ما يتعلق بها.
*** الأمر الأول- الجمع العرفي:
بمقتضى ما شرحناه في المقدمة الأخيرة يتضح: أن القدر المتيقن من قاعدة أولوية الجمع من الطرح في المتعارضين هو «الجمع العرفي»، الذي سماه الشيخ الأعظم ب «الجمع المقبول»، و غرضه: المقبول عند العرف، و يسمى الجمع الدلالتي.
و في الحقيقة- كما تقدمت الإشارة إلى ذلك- أنه بالجمع العرفي يخرج الدليلان عن التعارض، و الوجه في ذلك: أنه إنما نحكم بالتساقط أو التخيير أو الرجوع إلى العلاجات السندية حيث تكون هناك حيرة في الأخذ بهما معا، و في موارد الجمع العرفي لا حيرة و لا تردد.
و بعبارة أخرى: أنه لما كان التعبد بالمتنافيين مستحيلا، فلا بد من العلاج إما بطرحهما أو بالتخيير بينهما أو بالرجوع إلى المرجحات السندية و غيرها، و أما لو كان الدليلان متلائمين غير متنافيين بمقتضى الجمع العرفي المقبول فإن التعبد بهما معا يكون تعبدا بالمتلائمين، فلا استحالة فيه و لا محذور حتى نحتاج إلى العلاج.
و يتضح من ذلك: إنه في موارد الجمع لا تعارض، و في موارد التعارض لا جمع.
و للجمع العرفي موارد لا بأس بالإشارة إلى بعضها للتدريب:
فمنها: ما إذا كان أحد الدليلين أخص من الآخر، فإن الخاص مقدم على العام يوجب التصرف فيه؛ لأنه بمنزلة القرينة عليه، و قد جرى البحث في أن الخاص مطلقا بما هو خاص مقدم على العام، أو إنما يقدم عليه لكونه أقوى ظهورا، فلو كان العام أقوى ظهورا كان العام هو المقدم، و مال الشيخ الأعظم إلى الثاني. كما جرى البحث في أن أصالة الظهور في الخاص حاكمة أو واردة على أصالة الظهور في العام، أو أن في ذلك تفصيلا. و لا يهمنا التعرض إلى هذا البحث، فإن المهم تقديم الخاص على العام على أي نحو كان من أنحاء التقديم.