المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٦٢ - ١- هل القياس يوجب العلم؟
٣- حجية القياس:
إن حجية كل أمارة تناط بالعلم- و قد سبق بيان ذلك في هذا الجزء أكثر من مرة- فالقياس، كباقي الأمارات، لا يكون حجة إلّا في صورتين لا ثالث لهما:
١- أن يكون بنفسه موجبا للعلم بالحكم الشرعي.
٢- أن يقوم دليل قاطع على حجيته، إذا لم يكن بنفسه موجبا للعلم.
و حينئذ: لا بد من بحث موضوع حجية القياس على الناحيتين، فنقول:
١- هل القياس يوجب العلم؟:
إن القياس نوع من «التمثيل» المصطلح عليه في المنطق- راجع (المنطق) للمؤلف ٢/ ١٤٧- ١٤٩- و قلنا هناك: إن التمثيل من الأدلّة التي لا تفيد إلّا الاحتمال؛ لأنه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر، بل في عدة أمور، أن يتشابها من جميع الوجوه و الخصوصيات.
نعم، إذا قويت وجوه الشبه بين الأصل و الفرع و تعددت، يقوى في النفس الاحتمال حتى يكون ظنا و يقرب من اليقين. و القيافة من هذا الباب. و لكن كل ذلك لا يغني عن الحق شيئا.
غير أنه إذا علمنا- بطريقة من الطرق- أن جهة المشابهة علة تامة لثبوت الحكم في الأصل عند الشارع، ثم علمنا أيضا بأن هذه العلة التامة موجودة بخصوصياتها في الفرع، فإنه لا محالة يحصل لنا- على نحو اليقين- استنباط أن مثل هذا الحكم ثابت في الفرع كثبوته في الأصل، لاستحالة تخلف المعلول عن علته التامة، و يكون من القياس المنطقي البرهاني الذي يفيد اليقين (١).
و لكن الشأن كل الشأن في حصول الطريق لنا إلى العلم بأن الجامع علة تامة للحكم الشرعي. و قد سبق في هذا الجزء ص ١٨٧ إن ملاكات الأحكام لا مسرح للعقول، أو لا مجال للنظر العقلي فيها، فلا تعلم إلّا من طريق السماع من مبلغ الأحكام الذي نصبه الله تعالى مبلغا و هاديا. و الغرض من كون الملاكات لا مسرح للعقول فيها: إن أصل تعليل الحكم بالملاك لا يعرف إلّا من طريق السماع؛ لأنه أمر توقيفي، أما نفس وجود الملاك في ذاته فقد يعرف من طريق الحس و نحوه، لكن لا بما هو علة و ملاك، كالإسكار فإن كونه علة للتحريم في الخمر لا يمكن معرفته من
(١) و هذا ما يسمى بتنقيح المناط.