المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٩ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
بها على المطلوب، فلا نطيل في ذكرها وردها (١).
الآية الثانية- آية النفر: و هي قوله تعالى في سورة التوبة ١٢٣: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (٢).
(١) قد أورد على هذا المطلب أكثر من ستة إشكالات و إيرادات في الرسائل؛ إلّا أن الشيخ الأنصاري ردّ عليها في رسائله، فمن أراد الاستفادة فليراجع الرسائل للشيخ الأنصاري (قدس سره).
(٢) هذه الآية استدل بها على حجيّة خبر الواحد. و تفسير هذه الآية هو: أن الله «سبحانه و تعالى» يخاطب نبيّه و يقول له: ليس من المناسب أن ينفر كل المسلمين إلى المدينة لأجل التفقه في الدين لأن هذا يستوجب إخلال النظام، فالمناسب أن يختار كل فرقة من المسلمين طائفة منهم. و هذه الطائفة هي النافرة للمدينة لأجل التفقه، و بعد التفقه ترجع إلى قومها و تحذرهم بالأحكام. فتعليم أحكام الدين و الإخبار بها عند الرّجوع عبرت عنه الآية بالإنذار. ثم قال تعالى: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أي: لعلّ الباقين الذين لم ينفروا يحذرون.
و الاستدلال بالآية موقوف على هذا التفسير. و يتم هذا الاستدلال بمقدمتين:
المقدمة الأولى: إثبات أن الحذر مطلوب و واجب، و تستفاد مطلوبية الحذر من الآية من خلال نكتتين.
النكتة الأولى: وقوعه بعد لعلّ و هي للترجي لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فوقوعه بعد لعلّ يدل على المطلوبيّة، و مطلوبيته تدل على وجوبه. و أمّا أصل المطلوبيّة فواضح لأن لعلّ تدل على مطلوبيّة الحذر، فالحذر إذا كان مطلوبا يكون واجبا لأنه لا معنى لكون الحذر مستحبا- على حد تعبير فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي في شرحه لمطالب الحلقة الثالثة للسيد الصدر (قدس سره)- ثم يوضح قائلا: ... فإمّا أن يوجد ما يستوجب الحذر أو لا؟ فإن كان موجودا ما يستوجب الحذر فيكون الحذر واجبا لا مستحبا، و إن لم يوجد ما يستوجب الحذر فلا يكون الحذر واجبا و لا مستحبا بل لا معنى له أصلا.
و قد تعرض للاستدلال بهذه الآية شيخنا الأعظم (الشيخ الأنصاري) في رسائله قال بعد نقل الآية:
«دلّت على وجوب الحذر عند إنذار المنذرين من دون اعتبار إفادة خبرهم العلم لتواتر أو قرينة، فيثبت وجوب العمل بخبر الواحد. أما وجوب الحذر، فمن وجهين:
أحدهما: أن لفظة «لعلّ» بعد انسلاخها عن معنى الترجّي ظاهرة في كون مدخولها محبوبا للمتكلم- لأن معنى- لعل- الحقيقي ترجّي المحبوب. هذا إذا صدرت من الإنسان فإنها صادرة من الترجي الحقيقي، و أما إذا كانت (لعل) صادرة من الله فإن الترجي الحقيقي مستحيل على الله «عزّ و جل»؛ بل تدل (لعل) على مجرد المطلوبية و المحبوبية أي: محبوبية الفعل و مطلوبيته. و على هذا نثبت وجوب الحذر باعتباره مطلوبا عند الله «عزّ و جل» و إذا تحقق حسن الحذر ثبت وجوبه، إمّا لما ذكره في المعالم، من إنّه لا معنى لندب الحذر- إذ مع قيام المقتضي يجب و مع عدمه لا يحسن- بمعنى: فعند إنذار المنذرين إن كان مخالفة خبرهم حراما موجبا لاستحقاق العقاب الذي يقتضي الحذر فيجب الحذر، و إن لم يجب استحقاق العقاب الذي يقتضي الحذر فيلغى الحذر، و حيث دلت الآية على محبوبية