المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧١ - ١٥- الحجية أمر اعتباري أو انتزاعي
هو المجعول ثانيا و بالعرض في مقابل المجعول أوّلا و بالذات، بمعنى: أن الإيجاد و الجعل الاعتباري ينسب أوّلا و بالذات إلى شيء هو المجعول حقيقة، ثم ينسب الجعل ثانيا و بالعرض إلى شيء آخر. فالمجعول الأوّل هو الأمر الاعتباري و الثاني هو الأمر الانتزاعي.
فيكون هناك جعل واحد ينسب إلى الأوّل بالذات و إلى الثاني بالعرض، لا إنه هناك جعلان و اعتباران ينسب أحدهما إلى شيء ابتداء، و ينسب ثانيهما إلى آخر بتبع الأوّل، فإن هذا ليس مراد المتنازعين قطعا.
فيقال في الملكية- مثلا- التي هي من جملة موارد النزاع: أن المجعول أوّلا و بالذات هو إباحة تصرف الشخص بالشيء المملوك، فينتزع منها أنه مالك، أي: أن الجعل ينسب ثانيا و بالعرض إلى الملكية، فالملكية يقال لها: أنها مجعولة بالعرض و يقال لها: أنها منتزعة من الإباحة، هذا إذا قيل أن الملكية انتزاعية، أما إذا قيل أنها اعتبارية فتكون عندهم هي المجعولة أوّلا و بالذات للشارع أو العرف.
و على هذا، فإذا أريد من الانتزاعي هذا المعنى: فالحق أن الحجية أمر اعتباري (١)، و كذلك الملكية و الزوجية و نحوها من الأحكام الوضعية. و شأنها في ذلك شأن الأحكام التكليفية المسلم فيها أنها من الاعتباريات الشرعية.
توضيح ذلك: إن حقيقة الجعل هو الإيجاد، و الإيجاد، على نحوين:
١- ما يراد منه إيجاد الشيء حقيقة في الخارج، و يسمى: الجعل التكويني، أو الخلق.
٢- ما يراد منه إيجاد الشيء اعتبارا و تنزيلا، و ذلك بتنزيله منزلة الشيء الخارجي الواقعي من جهة ترتيب أثر من آثاره، أو لخصوصية فيه من خصوصيات الأمر الواقعي، و يسمى: الجعل الاعتباري، أو التنزيلي.
و ليس له واقع إلّا الاعتبار و التنزيل، و إن كان نفس الاعتبار أمرا واقعيا حقيقيا لا اعتباريا. مثلا: حينما يقال: زيد أسد، فإن الأسد مطابقه الحقيقي هو الحيوان المفترس المخصوص، و هو طبعا مجعول و مخلوق بالجعل و الخلق التكويني، و لكن العرف يعتبرون الشجاع أسدا، فزيد أسد اعتبارا و تنزيلا من قبل العرف من جهة ما فيه من خصوصية الشجاعة كالأسد الحقيقي.
(١) أي: جعل الشارع الحجية للأمارة أوّلا و بالذات؛ لا إنه جعل الأمارة و من ثم جعل الحجية لها.