المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٣٤ - المقام الثاني في المفاضلة بين المرجحات
لم يكن أحدهما أقوى مناطا تخير بينهما. و هذا هو مختار الشيخ صاحب الكفاية.
الثاني: أنها مترتبة و يقدم المرجح الجهتي على غيره، فالمخالف للعامة أولى بالتقديم على الموافق لهم و إن كان مشهورا. و هذا هو المنسوب إلى الوحيد البهبهاني.
الثالث: أنها مترتبة، و لكن على العكس من الأول، أي: أنه يقدم المرجح الصدوري على غيره، فيقدم المشهور (١) الموافق للعامة على الشاذ المخالف لهم. و هذا هو ما ذهب إليه شيخنا النائيني.
الرابع: أنها مترتبة حسبما جاء في المقبولة أو في الروايات الأخرى، بأن يقدم- مثلا حسبما يظهر من المقبولة- المشهور فإن تساويا في الشهرة قدم الموافق للكتاب و السنة، فإن تساويا في ذلك قدم ما يخالف العامة (٢).
و هناك أقوال أخرى لا فائدة في نقلها.
و في الحقيقة: إن هذا الخلاف ليس بمناط واحد، بل يبتني على أشياء:
منها: أنه يبتني على القول بوجوب الاقتصار على المرجحات المنصوصة (٣)، فإن مقتضى ذلك أن يرجع إلى مدى دلالة أخبار الباب، و إلى ما ينبغي من الجمع بينها
(١) أي: المشهور بين فقهائنا.
(٢) تعليق: يبدو من هذا الخلاف بين العلماء: إنه لا قاعدة عقلية أو نقلية تدل على ترجيح مزية على مزية من المرجحات المنصوصة عند تعارضها، و لذلك تجد عند مراجعتك لأقوال العلماء التناقض و الاختلاف. و عن الشيخ البهائي أنه قال في مسألة الترجيح بين المرجحات: «إنها مثنى و ثلاث و رباع، فاتبع منها الأقوى». و لم يعط ضابطا معينا يدل على ترجيح مزية على مزية من المرجحات المنصوصة عند تعارضها. و هذا إن دل على شيء يدل على إن مشكلة الترجيح بين المرجحات المنصوصة لا ضابط لها، و يرجح الأمر في النهاية إلى اجتهاد المجتهد و ورعه في ترجيح أحدهما على الآخر.
(٣) في روايات الترجيح. و المرجحات المنصوصة كما ذكرت في المتن هي: الشهرة، و صفات الراوي، و موافقة الكتاب، و مخالفة أهل الرأي و القياس. هل يجب الاقتصار على هذه المرجحات المنصوصة، أو يجوز التعدي عنها إلى مرجح يقرب الخبر من الحق و الواقع؟
قال النائيني: الأقوى وجوب الاقتصار على المرجحات المنصوصة و عدم جواز التعدي عنها.
و قال الشيخ الأنصاري في رسائله: بعدم الاقتصار على المرجحات المنصوصة بل يجب الأخذ بكل مرجح يقرب إلى الحق و الواقع، و هذا هو المشهور. و ذكر ما يدل على هذا القول أدلة منها:
١- أن المستفاد من الأخبار هو: التخيير بين المتعارضين مع التعادل كما سبقت الإشارة، فإذا احتملنا وجود مرجح غير منصوص عليه في أحد الخبرين يدور الأمر بين التعيين و التخيير، و من المسلمات الأولية: أن العقل يحكم بالتعيين تحصيلا لليقين بفراغ الذمة و الخروج عن العهدة، و الطرف الثاني