المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٤ - وجه حجية العقل (٢)
لقد انتهى الأمر بنا في البحث السابق إلى أن الدليل العقلي ما أوجب القطع بحكم الشارع، و إذا كان الأمر كذلك فليس ما وراء القطع حجة، فإنه تنتهي إليه حجية كل حجة، لأنه- كما تقدم ص ٢٨- هو حجة بذاته، و لا يعقل سلخ الحجية عنه.
و هل تثبت الشريعة إلّا بالعقل؟ و هل يثبت التوحيد و النبوة إلّا بالعقل؟
و إذا سلخنا أنفسنا عن حكم العقل فكيف نصدق برسالة؟ و كيف نؤمن بشريعة؟
بل كيف نؤمن بأنفسنا و اعتقاداتها؟ و هل العقل إلّا ما عبد به الرحمن؟ و هل يعبد الديان إلّا به؟
يكون عدمه قيدا في ثبوت المجعول، فإذا علم بالجعل بالدليل العقلي لا يكون الحكم المجعول ثابتا فعند ما يقطع بالجعل بالدليل العقلي لا نقول: إن الجعل ليس ثابتا حتى يلزم التناقض، و إنما يقال له: أيها القاطع بالجعل من الدليل العقلي لا يوجد مجعول في حقك و بهذا لا يرد محذور التناقض.
و مثال للتوضيح: ففي قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... هذه الآية نسميها بعالم الجعل، و هذه الآية ليس فيها دلالة فعلية على المكلف بوجوب الحج عليه، و إنما بعد تحقق الاستطاعة في الخارج مع جميع القيود المأخوذة في عالم الجعل حينئذ: يكون وجوب الحج فعليا. فالأخباريون قالوا: إن هذا المجعول الذي يعبر عنه فعلية الحكم هذا مقيد بقيد و هو عدم العلم بالجعل من الدليل العقلي، بمعنى: إن الحكم لا يصبح فعليا إلّا إذا علمت بالجعل من الدليل الشرعي، فمع العلم بالجعل من الدليل العقلي المجعول لا يكون فعليا، و هذا لا محذور فيه لأنه لا يلزم منه سلب الحجية عن القطع لأن المكلف ليس قاطعا بالمجعول و إنما هو قاطع بالجعل من الدليل العقلي.
نعم لا نستطيع أن نسلب الحجية عن القطع بالجعل. و غاية ما في الأمر: أن يقال للقاطع بالجعل من الدليل العقلي: لا يوجد مجعول في حقك و هذا لا محذور فيه. كأن يقال- في المثال- للمكلف المستطيع: إذا قطعت بوجوب الحج من الدليل الشرعي يكون وجوب الحج عليك فعليا إذا اجتمعت كل الشروط. و أما إذا قطعت بوجوب الحج من الدليل العقلي لا يكون وجوب الحج عليك فعليا [١].
ثم عقب السيد الشهيد الصدر (قدس سره) قائلا: فلا محذور في هذا التخريج، و لكنه بحاجة إلى دليل شرعي على تقييد الأحكام الواقعية بالوجه المذكور، و لا يوجد دليل من هذا القبيل، و أما إذا كان الدليل العقلي ظنيا، كما في الاستقراء الناقص و القياس، و في كل قضية من القضايا العقلية المتقدمة، إذا لم يجزم بها العقل و لكنه ظن بها، فهذا الدليل يحتاج إلى دليل على حجيته و جواز التعويل عليه، و لا دليل على ذلك، بل قام الدليل على عدم جواز التعويل على الحدس و الرأي و القياس [٢].
[١] تقريري لدروس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي للحلقة الثانية.
[٢] راجع: الحلقة الثانية، ص ٣٠٨.