المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٠ - ٢- شروط التعارض
.....
الصلاة بلا عكس. و أما الورود من الجانبين فله أشكال ثلاثة:
١- أن يكون الورود من الجانبين- بمعنى: أن كلا منهما مقيد بعدم الآخر- و يكون كل واحد منهما رافعا لموضوع الآخر بالفعل.
٢- أن يكون الورود من الجانبين و يكون معقولا و ممكنا إلّا أن أحدهما يرفع موضوع الآخر بلا عكس.
٣- أن يكون الورود من الجانبين و لا يكون معقولا.
مثال الأول: أن يكون كل واحد من الحكمين مقيدا بعدم ثبوت الآخر لو لا المعارضة، كما لو فرض أن شخصا استطاع للحج و كان قد نذر زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة، و فرض أن وجوب الحج مقيد بعدم ثبوت وجوب الوفاء بالنذر لو لا المعارض، و فرض أيضا أن وجوب الوفاء مقيد بعدم ثبوت وجوب الحج لو لا المعارض، فإن الورود حينئذ يصير من الجانبين و يرتفع بسببه كلا الحكمين، فإن الحج حيث أنه واجب على تقدير عدم المعارضة بالنذر فيكون وجوب الوفاء بالنذر منتفيا، و هكذا وجوب الوفاء بالنذر حيث أنه واجب على تقدير عدم المعارضة بوجوب الحج فيكون وجوب الحج منتفيا.
و مثال الثاني: أن يفرض أن دليل وجوب الحج مقيد بعدم امتثال النذر، بينما وجوب الوفاء بالنذر لم يقيد بعدم امتثال وجوب الحج؛ بل بعدم ثبوت وجوب الحج. في مثل هذه الحالة يكون كل واحد من الحكمين واردا على الآخر، حيث أن كل واحد منهما مقيد بعدم الآخر- غاية الأمر: أحدهما مقيد بعدم وجوب الثاني بينما الثاني مقيد بعدم امتثال الأول- إلّا إنه لا يكون كل واحد منهما رافعا للآخر بل يكون وجوب الحج هو الرافع لوجوب الوفاء بالنذر بلا عكس، فإن دليل وجوب الوفاء بالنذر إذا كان ثابتا و غير مرتفع فإما أن يكون ثابتا في حالة عدم امتثال النذر، أو يكون ثابتا في حالة امتثاله، و كلاهما باطل. أما الأول: فلأنه في حالة عدم امتثال النذر يصير وجوب الحج ثابتا بالفعل- لأن وجوب الحج مقيد حسب الفرض بعدم امتثال النذر، فعند عدم امتثال النذر يصير وجوب الحج فعليا- و مع ثبوته بالفعل ينتفي وجوب الوفاء بالنذر لأنه مقيد بعدم ثبوت حكم على خلافه، و وجوب الحج حكم ثابت مخالف لوجوب الوفاء بالنذر.
و أما الثاني: فلأن ثبوت وجوب الوفاء بالنذر في خصوص حالة امتثاله معناه: إن الحكم لا يثبت إلّا على تقدير امتثاله و هو باطل؛ لأن الامتثال فرع الحكم فلا يمكن أن يكون ثبوت الحكم فرع الامتثال و إلّا يلزم الدور.
و مثال الثالث: ما إذا كان دليل وجوب الحج مقيدا بعدم ثبوت الوجوب الفعلي للوفاء، و هكذا وجوب الوفاء مقيد بعدم ثبوت الوجوب الفعلي للحج. و الورود هنا ثابت من الجانبين لأن كلا منهما مقيد بعدم الوجوب الفعلي للآخر؛ و لكنه مستحيل إذ كل واحد منهما- لو لاحظناه أولا- صالح لرفع الآخر، أي: صالح لأن يكون مانعا من وجود الآخر و رافعا له، و إذا كان كل منهما مانعا من الآخر فيكون وجود كل واحد منهما موقوفا على عدم الآخر من باب توقف وجود الشيء على عدم مانعة، و من الواضح: أن ذلك مستحيل للزوم الدور؛ لأن الأول إذا كان موقوفا على عدم الثاني من باب توقف الشيء على عدم مانعة، و عدم الثاني حيث أنه موقوف على وجود الأول- إذ مع عدم الوجود الفعلي لكل واحد منهما يكون الآخر موجودا بالفعل- فيلزم توقف وجود الأول على وجود الأول،