المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٢ - وجه حجية العقل (٢)
و من هنا قلنا سابقا: إن المستقلات العقلية تنحصر في مسألة واحدة، و هي مسألة التحسين و التقبيح العقليين؛ لأنه لا يشارك الشارع حكم العقل العملي إلّا فيها، أي:
إن العقل النظري لا يحكم بالملازمة إلّا في هذا المورد خاصة (١).
وجه حجية العقل (٢):
٤- إذا عرفت ما شرحناه، و هو أن العقل النظري يقطع باللازم- أعني: حكم
و أما الاتجاه الثاني: فقد قرب بأن جعل الشارع للحكم في مورد حكم العقل بالحسن و القبح لغو لكفاية الحسن و القبح للإدانة- أي: للعقاب- و المسئولية و المحركية نحو الصدق-.
و يرد على ذلك: أن حسن الأمانة و قبح الخيانة مثلا و إن كانا يستنبطان درجة من المسئولية و المحركية غير أن حكم الشارع على طبقهما يؤدي إلى نشوء ملاك آخر للحسن و القبح و هو طاعة المولى و معصيته، و بذلك تتأكد المسئولية و المحركية، فإذا كان المولى مهتما بحفظ واجبات العقل العملي بدرجة أكبر مما تقتضيه الأحكام العملية نفسها حكم على طبقها، و إلّا فلا، و بذلك يتضح إنه لا ملازمة بين الحكم العقلي العملي، و حكم الشارع على طبقه و لا بينه و بين عدم حكم الشارع على طبقه، فكلا الاتجاهين غير تام.
(١) راجع البحث الرابع في أسباب حكم العقل العملي ج ١، ص ٣٧٧ و ما بعدها؛ لتعرف السر في التخصيص بالآراء المحمودة.
(٢) هذا البحث بمثابة الكبرى لجميع المباحث العقلية بمعنى: إذا قلنا أن العقل أدرك الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدمته، و أدرك العقل الملازمة بين حسن العدل و بين وجوبه شرعا. و لكن يبقى من قال:
أن الإدراك العقلي هذا حجة بحيث يمكن أن يعتمد عليه المجتهد في مقام الإفتاء؟ هذا ما يتم بحثه هنا و هو هل الإدراك العقلي حجة أم لا؟ فإذا كان الدليل العقلي قطعيا و مؤديا إلى العلم بالحكم الشرعي، فهو حجة من أجل حجية القطع. و إذا كان الدليل العقلي ظنيا، كما في الاستقراء الناقص و القياس فلا إشكال إنه ليس بحجة بل في كثير من الظنون كالقياس و الاستقراء قام الدليل بعدم حجيتها.
قال السيد الشهيد الصدر (قدس سره): «إن الكلام وقع في حالة كون الدليل العقلي قطعيا فإن الأصوليين التزموا بحجيته بينما الأخباريين التزموا بعدم حجيته و قالوا: إن القطع بالحكم الشرعي حجة إذا كان ناشئا من الدليل الشرعي (الكتاب و السنة) فقط، و أما إذا كان القطع بالحكم الشرعي ناشئا من الدليل العقلي فهو ليس بحجة. و ذكر الأصوليون تفصيلا في القطع الطريقي بلحاظ أسبابه و أنه يوجد تفصيل في القطع بلحاظ أشخاص القاطعين، و هذا التفصيل منسوب إلى الشيخ كاشف الغطاء (رحمه الله) و هو التفصيل بين قطع القطاع و بين قطع غير القطاع. فقطع القطاع ليس حجة، و قطع غير القطاع حجة. بينما الأخباريون يفصلون في القطع بلحاظ أسباب القطع و المنشأ الذي يوجب حصول القطع فقالوا: إن القطع بالحكم الشرعي إذا نشأ من الأدلّة الشرعية المتعارفة (الكتاب و السنة) فهو حجة، و أما إذا كان ناشئا من الدليل العقلي فهو ليس حجة. إلّا إن هذا لم ينج من الإشكال حيث يوجه على الأخباريين إشكال و هو: إن هذا غير ممكن لأن هذا عبارة عن سلب الحجية عن