المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٢٥ - و قد يستدل على ذلك بما يلي
و هذا أمر لا اختصاص له بالقرآن، بل هذا شأن كل كلام يتضمن المعارف العالية و الأمور العلمية و هو يتوخى الدقة في التعبير. أ لا ترى أن لكل علم أهلا يرجع إليهم في فهم مقاصد كتب ذلك العلم، و أن له أصحابا يؤخذ منهم آراء ما فيه من مؤلفات، مع أن هذه الكتب و المؤلفات لها ظواهر تجري على قوانين الكلام و أصول اللغة، و سنن أهل المحاورة هي حجة على المخاطبين بها و هي حجة على مؤلفيها، و لكن لا يكفي للعامي أن يرجع إليها ليكون عالما بها أو يحتج بها، أو يحتج بها عليه بغير تلمذة على أحد أهلها، و لو فعل ذلك هل تراه لا يؤنب على ذلك و لا يلام؟ و كل ذلك لا يسقط ظواهرها عن كونها حجة في نفسها، و لا يخرجها عن كونها ظواهر يصح الاحتجاج بها.
و على هذا، فالقرآن الكريم إذ نقول إنه حجة على العباد، فليس معنى ذلك أن
بظاهر الكتاب بعد الفحص في كلمات الأئمة و عدم الظفر بقرينة على خلاف الظاهر، لأن هذا النحو من العمل ليس استقلالا عن الحجة في مقام فهم القرآن الكريم.
إذا: بعد أن نعجز عن وجود ما يفسر الآية حينئذ نعمل بالظاهر، و من الواضح: إن العمل بالظاهر بعد هذا اليأس لا يعتبر استقلالا في فهم القرآن الكريم. و إنما هو فهم للقرآن الكريم بعد العجز عن وجود روايات مفسرة لهذا القرآن الكريم و صارفة لهذه الآية عن ظاهرها. فهذا لا يعتبر عملا استقلاليا.
الطائفة الثالثة: ما دل من الروايات على النهي عن تفسير القرآن الكريم بالرأي، و أن من فسر القرآن الكريم برأيه فقد كفر، و هذه الطائفة جاءت في مقام الاستشكال على أبناء العامة الذين يفسرون القرآن الكريم بالرأي. فيقال في مقام التمسك بهذه الطائفة: أن العمل بظواهر القرآن الكريم أيضا يعتبر تفسيرا للقرآن الكريم بالرأي فيكون منهيا عنه. و بعبارة أخرى: هذه الطائفة تدعي شمول الأخبار الناهية عن تفسير القرآن الكريم بالرأي لحمل الكلام على ظاهره هذا منهي عنه، لأنه مصداق للتفسير بالرأي.
و الروايات الناهية عن التفسير بالرأي عديدة.
- منها: ما رواه الريان بن الصلت عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال الله «عزّ و جل»: «ما آمن بي من فسر برأيه كلامي» [١].
و منها: ما رواه عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول اللّه: «لعن الله المجادلين في دين الله على لسان سبعين نبيا، و من جادل في آيات الله كفر، قال الله: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، و من فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب، و من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماوات و الأرض، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة سبيلها إلى النار» [٢].
[١] الوسائل، ج ١٨، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي، ص ١٣٧، ح: ٢٨.
[٢] الوسائل، ج ١٨، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي، ص ١٤٠، ح: ٣٧.