المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٢٠ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
هذه الناحية غير مشترط فيه بما يوجب العلم. و على هذا الأساس من الملازمة قلنا:
بدلالة آية النفر على حجية خبر الواحد و حجية فتوى المجتهد.
و لكن الإنصاف: إن الاستدلال لا يتم بهذه الآية الكريمة، بل هي أجنبية جدا عما نحن فيه؛ لأن ما نحن فيه- و هو حجية خبر الواحد- أن يظهر المخبر شيئا لم يكن ظاهرا، و يعلّم ما تعلّم من أحكام غير معلومة للآخرين كما في آية النفر. فإذا وجب التعليم وجب قبوله على الآخرين و إلّا كان وجوب التعليم و الإظهار لغوا، و أما هذه الآية فهي واردة في مورد كتمان ما هو ظاهر و بيّن للناس جميعا، بدليل قوله تعالى:
مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ لا إظهار ما هو خفي على الآخرين (١).
طريق إلّا أن يحرم الكتمان مطلقا أو لا يحرمه مطلقا، و لما كان تحريم الكتمان في كلتا الصورتين هو الموافق للاحتياط فمن باب الاحتياط حرم المولى الكتمان في هذه الصورة أيضا. فإذا: تحريم الكتمان في هذه الصورة- أي: بداعي الاحتياط- لا يكون كاشفا عن الحجية و عن وجوب قبول قول المخبر.
(١) ذكر وجه على أجنبية هذه الآية الشريفة، عما نحن فيه و هو: «أن مورد الآية هو نبوة نبينا (صلى الله عليه و آله)، و من المعلوم: عدم حجية خبر الواحد فيها لكونها من أصول الدين، فلا ربط لها بالفروع، فالتعدي عن مورده إلى الفروع بلا وجه، و لو بني على التعدي فلا يتعدى إلّا إلى مثلها مما هو من أصول الدين» [١].
و من جملة الآيات التي استدل بها بعض المعاصرين على حجية خبر الواحد: قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. سورة النحل/ ٤٣.
تقريب الاستدلال: أن ظاهر الأمر بالسؤال هو وجوبه، و وجوبه ملازم مع وجوب القبول، و إلّا يكون وجوب السؤال لغوا؛ لأنه لا فائدة في أن يسأل و لا يقبل.
قال الشيخ الأنصاري في مقام تقريب الاستدلال ما يلي: «بناء على أن وجوب السؤال يستلزم وجوب قبول الجواب و إلّا لغى وجوب السؤال. و إذا وجب قبول الجواب وجب قبول كل ما يصح أن يسأل عنه و يقع جوابا له، لأن خصوصية المسبوقية بالسؤال لا دخل فيه قطعا. فإذا سئل الراوي الذي هو من أهل العلم عما سمعه عن الإمام (عليه السلام)، في خصوص الواقعة، فأجاب بأني سمعته يقول كذا، وجب القبول بحكم الآية. فيجب قبول قوله ابتداء: «إني سمعت الإمام (عليه السلام) يقول كذا»، لأن حجية قوله هو الذي أوجب السؤال عنه، لا إن وجوب السؤال أوجب قبول قوله».
و يرد عليه: أولا: أن الآية وردت في أصول العقائد، و المراد بأهل الذكر: أهل الكتاب من علماء اليهود و النصارى، و المراد السؤال عنهم عن علائم النبوة الموجودة في التوراة و الإنجيل، حتى يحصل العلم له بنبوته (صلى الله عليه و آله)، فيؤمن. و لا شك في: أن الخبر الواحد ليس حجة في أصول العقائد، هذا
[١] منتهى الدراية، ج ٤، ص ٤٨٣.