المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٢٤ - المقام الأول المرجحات الخمسة
قال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».
قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر؟
قال: «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي به حكمنا المجمع عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه، و إنما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يرد علمه إلى اللّه و رسوله. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم».
قلت: فإن كان الخبران عنكما (١) مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟
قال: «ينظر: فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة».
قلت: جعلت فداك! أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟
قال: «ما خالف العامة ففيه الرشاد».
قلت: جعلت فداك! فإن وافقهم الخبران جميعا؟
قال: «انظر إلى ما هم إليه أميل- حكامهم و قضاتهم- فيترك و يؤخذ بالآخر».
قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟
قال: «إذا كان ذلك فأرجه- و في بعض النسخ: فأرجئه- حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». انتهت المقبولة.
أقول: من الواضح: أن موردها التعارض بين الحاكمين، لا بين الراويين؛ و لكن لما كان الحكم و الفتوى في الصدر الأول يقعان بنص الأحاديث، لا إنهما يقعان بتعبير من الحاكم أو المفتي- كالعصور المتأخرة استنباطا من الأحاديث- تعرضت هذه المقبولة للرواية و الراوي لارتباط الرواية بالحكم. و من هنا استدل بها على الترجيح للروايات المتعارضة.
(١) يقصد الباقر و الصادق (عليهما السلام). (المصنف).