المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٩ - ٥- الحكومة و الورود
أما الحكومة (في بعض مواردها) هي كالتخصيص بالنتيجة، من جهة خروج مدلول أحد الدليلين عن عموم مدلول الآخر، و لكن الفرق في كيفية الإخراج، فإنه في التخصيص إخراج حقيقي مع بقاء الظهور الذاتي للعموم في شموله، و في الحكومة إخراج تنزيلي على وجه لا يبقى ظهور ذاتي للعموم في الشمول، بمعنى: أن الدليل الحاكم يكون لسانه تحديد موضوع الدليل المحكوم أو محموله، تنزيلا و ادعاء، فلذلك يكون الحاكم متصرفا في عقد الوضع أو عقد الحمل في الدليل المحكوم.
و نستعين على بيان الفرق بالمثال، فنقول: لو قال الآخر عقيب أمره بإكرام العلماء:
(لا تكرم الفاسق)، فإن القول الثاني يكون مخصصا للأول، لأنه ليس مفاده إلّا عدم وجوب إكرام الفاسق مع بقاء صفة العالم له، أما لو قال عقيب أمره: (الفاسق ليس بعالم)، فإنه يكون حاكما على الأول؛ لأن مفاده إخراج الفاسق عن صفة العالم تنزيلا، بتنزيل الفسق منزلة الجهل أو علم الفاسق بمنزلة عدم العلم. و هذا تصرف في عقد الوضع، فلا يبقى عموم لفظ العلماء شاملا للفاسق بحسب هذا الادعاء و التنزيل. و بالطبع لا يعطي له حينئذ حكم العلماء من وجوب الإكرام و نحوه.
و مثاله في الشرعيات قوله (عليه السلام): «لا شك لكثير الشك» و نحوه مثل:
نفي شك المأموم مع حفظ الإمام و بالعكس، فإن هذا و نحوه يكون حاكما على أدلة حكم الشك؛ لأن لسانه إخراج شك كثير الشك و شك المأموم أو الإمام عن حضيرة صفة الشك تنزيلا، فمن حقه حينئذ ألا يعطى له أحكام الشك من نحو إبطال الصلاة أو البناء على الأكثر أو الأقل أو غير ذلك.
و إنما قلنا: (الحكومة في بعض مواردها كالتخصيص)؛ فلأن بعض موارد الحكومة الأخرى عكس التخصيص، لأن الحكومة على قسمين: قسم يكون التصرف فيها بتضييق الموضوع كالأمثلة المتقدمة، و قسم بتوسعته، مثل: ما لو قال عقيب الأمر بإكرام العلماء: (المتقي عالم)، فإن هذا يكون حاكما على الأول و ليس فيه إخراج، بل هو تصرف في الموضوع بتوسعة معنى العالم ادعاء إلى ما يشمل المتقي، تنزيلا للتقوى منزلة العلم، فيعطى للمتقي حكم العلماء من وجوب الإكرام و نحوه.
و مثاله في الشرعيات: (الطواف صلاة)، فإن هذا التنزيل يعطي للطواف الأحكام