المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٥ - ٤- تعادل و تراجيح المتزاحمين
٣- أن يكون أحد الواجبين صاحب الوقت المختص دون الآخر؛ و كان كل منهما مضيقا، كما لو دار الأمر بين أداء الصلاة اليومية في آخر وقتها و بين صلاة الآيات في ضيق وقتها؛ لأن الوقت لما كان مختصا باليومية فهي أولى به عند مزاحمتها بما لا اختصاص له في أصل تشريعه بالوقت المعين و إنما اتفق حصول سببه في ذلك الوقت و تضيق وقت أدائه. و مسألة تقديم اليومية على صلاة الآيات إذا تضيق وقتهما معا أمر إجماعي متفق عليه، و لا منشأ له إلّا أهمية ذات الوقت المختص المفهومة من بعض الروايات.
٤- أن يكون أحد الواجبين وجوبه مشروطا بالقدرة الشرعية دون الآخر، و المراد من القدرة الشرعية: هي القدرة المأخوذة في لسان الدليل شرطا للوجوب، كالحج المشروط وجوبه بالاستطاعة و نحوه.
و مع فرض المزاحمة بينه و بين واجب آخر وجوبه غير مشروط بالقدرة: لا يحصل العلم بتحقق ما هو شرط في الوجوب، لاحتمال أن مزاحمته للواجب الآخر تكون سالبة للقدرة المعتبرة في الوجوب، و مع عدم اليقين بحصول شروط الوجوب لا يحصل اليقين بأصل التكليف، فلا يزاحم ما كان وجوبه منجزا معلوما.
و لو قال قائل: إن كل واجب مشروط وجوبه بالقدرة عقلا، إذا: للوجوب كالحج المشروط وجوبه بالاستطاعة و نحوه.
فالجواب: نحن نسلم باشتراط كل واجب بالقدرة عقلا، لكنه لما لم تؤخذ القدرة في الواجب الآخر في لسان الدليل، فهو من ناحية الدلالة اللفظية مطلق، و إنما العقل هو الذي يحكم بلزوم القدرة، و يكفي في حصول شرط القدرة العقلية: نفس تمكن المكلف من فعله و لو مع فرض المزاحمة، إذ لا شك في: أن المكلف في فرض المزاحمة قادر و متمكن من فعل هذا الواجب المفروض، و ذلك بترك الواجب المزاحم له المشروط بالقدرة الشرعية.
و الخلاصة: أن الواجب الآخر وجوبه منجز فعلي لحصول شرطه و هو القدرة العقلية، بخلاف مزاحمه المشروط، لما ذكرنا من احتمال إن ما أخذ في الدليل قدرة خاصة لا تشمل هذه القدرة الحاصلة عند المزاحمة، فلا يحرز تنجزه و لا تعلم فعليته.
و عليه، فيرتفع التزاحم بين الوجوبين من رأس، و يخلو الجو للواجب المطلق و إن كان مشروطا بالقدرة العقلية.