المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٥٨ - ٣- اجتماع اليقين و الشك في زمان واحد
اليقين أو تبدله بيقين آخر، و لا يصح أن تجري إلّا في فرض الشك ببقاء ما كان متيقنا. فالشك مفروغ عنه في فرض جريان قاعدة الاستصحاب، فلا بد أن يكون مأخوذا في موضوعها.
و لكن ينبغي ألا يخفى: أن المقصود من الشك ما هو أعم من الشك بمعناه الحقيقي، أي: تساوي الاحتمالين، و من الظن غير المعتبر (١)، فيكون المراد منه: عدم العلم و العلمي مطلقا، و ستأتي الإشارة إلى سرّ ذلك (٢).
٣- اجتماع اليقين و الشك في زمان واحد:
بمعنى: أن يتفق في آن واحد حصول اليقين و الشك، لا بمعنى: أن مبدأ حدوثهما يكون في آن واحد، بل قد يكون مبدأ حدوث اليقين قبل حدوث الشك كما هو المتعارف في أمثلة الاستصحاب، و قد يكونان متقارنين حدوثا كما لو علم يوم الجمعة- مثلا- بطهارة ثوبه يوم الخميس، و في نفس يوم الجمعة في آن حصول العلم حصل له الشك في بقاء الطهارة السابقة إلى يوم الجمعة.
و قد يكون مبدأ حدوث اليقين متأخرا عن حدوث الشك، كما لو حدث الشك يوم الجمعة في طهارة ثوبه و استمر الشك إلى يوم السبت، ثم حدث له يقين يوم السبت في أن الثوب كان طاهرا يوم الخميس، فإن كل هذه الفروض هي مجرى الاستصحاب.
و الوجه في اعتبار اجتماع اليقين و الشك في الزمان واضح؛ لأن ذلك هو المقوم لحقيقة الاستصحاب الذي هو إبقاء ما كان، إذ لو لم يجتمع اليقين السابق مع الشك اللاحق زمانا فإنه لا يفرض ذلك إلّا فيما إذا تبدل اليقين بالشك و سرى الشك إليه، فلا يكون العمل باليقين إبقاء لما كان، بل هذا مورد قاعدة اليقين المباينة في حقيقتها لقاعدة الاستصحاب. و ستأتي الإشارة إليها.
(١) هذا إشارة إلى أن الظن المعتبر من جريان الاستصحاب على طبق القاعدة، و هي أن الأمارات دائما مقدمة على الأصول العملية.
(٢) فالشك مأخوذ في لسان الدليل في قوله: «و لا ينقض اليقين بالشك»، و المراد بالشك هنا: مطلق عدم العلم، فيشمل حالة الظن أيضا بقرينة قوله: «و لكن انقضه بيقين آخر»، فإذا: لا ينقض اليقين إلّا اليقين.