المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٠ - الدليل الأول بناء العقلاء
و قبل أن ندخل في مناقشة الأقوال و الترجيح بينها ينبغي أن نذكر الأدلّة على الاستصحاب التي تمسك بها القائلون بحجيته؛ لنناقشها و نذكر مدى دلالتها.
أدلة الاستصحاب:
الدليل الأول: بناء العقلاء:
لا شك في: أن العقلاء من الناس على اختلاف مشاربهم و أذواقهم جرت سيرتهم في عملهم و تبانوا في سلوكهم العملي على الأخذ بالمتيقن السابق عند الشك اللاحق في بقائه. و على ذلك قامت معايش العباد، و لو لا ذلك لاختل النظام الاجتماعي و لما قامت لهم سوق و تجارة.
و قيل: أن ذلك مرتكز حتى في نفوس الحيوانات؛ فالطيور ترجع إلى أو كارها و الماشية تعود إلى مرابضها. و لكن هذا التعميم للحيوانات محلّ نظر، بل ينبغي أن يعدّ من المهازل لعدم حصول الاحتمال عندها حتى يكون ذلك منها استصحابا، بل تجري في ذلك على وفق عادتها بنحو لا شعوري.
و على كل حال، فإن بناء العقلاء في عملهم مستقر على الأخذ بالحالة السابقة عند الشك في بقائها، في جميع أحوالهم و شئونهم؛ مع الالتفات إلى ذلك و التوجه إليه.
و إذا ثبتت هذه المقدمة ننتقل إلى مقدمة أخرى فنقول: إن الشارع من العقلاء بل رئيسهم فهو متحد المسلك معهم (١)، فإذا لم يظهر منه الردع عن طريقتهم العملية يثبت على سبيل القطع إنه ليس له مسلك آخر غير مسلكهم و إلّا لظهر و بان و لبلغه الناس. و قد تقدم مثل ذلك في حجية خبر الواحد.
و هذا الدليل- كما ترى- يتكون من مقدمتين قطعيتين:
١- ثبوت بناء العقلاء على إجراء الاستصحاب.
٢- كشف هذا البناء على موافقة الشارع و اشتراكه معهم.
الشك، فالشك في حكم العقل ليس له معنى فالعقل له ملاكات يدركها الإنسان نفسه، فإذا كانت ملاكاته تامة حتى في حالة الشك فهو مقطوع الثبوت، و إذا كانت ملاكاته ليست ثابتة فهو مقطوع العدم فالشك ليس له معنى في المقام. نعم العقل قد يشك في حكم غيره كما في الأحكام الشرعية. إذا:
الاستصحاب هنا لا يجري لأن ركنه غير متحقق).
(١) بل قد يقال: أن مقتضى كونه « «عزّ و جلّ»» رئيسهم أن يخالفهم كما تقدم. ذكر هذا الإشكال سابقا.