المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦٩ - الأقوال في الاستصحاب
ثم أنه لو بني على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرض لهذه المسألة في الأصول و الفروع لزادت الأقوال على العدد المذكور بكثير، بل يحصل لعالم واحد قولان أو أزيد في المسألة، إلّا إن صرف الوقت في هذا مما لا ينبغي.
و الأقوى هو (القول التاسع، و هو الذي اختاره المحقق). انتهى ما أردنا نقله من عبارة الشيخ الأعظم (١).
و ينبغي أن يزاد تفصيل آخر لم يتعرض له (٢) في نقل الأقوال، و هو رأي خاص به، إذ فصّل بين كون المستصحب مما ثبت بدليل عقلي فلا يجري فيه الاستصحاب، و بين ما ثبت بدليل آخر فيجري فيه (٣). و لعله إنما لم يذكره في ضمن الأقوال لأنه يرى إن الحكم الثابت بدليل عقلي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك، بل إما أن يعلم بقاؤه أو يعلم زواله، فلا يتحقق فيه ركن الاستصحاب و هو الشك. فلا يكون ذلك تفصيلا في حجية الاستصحاب (٤).
و بعبارة أخرى نقول: فيما لو تحقق شيء لا أدري أ هو رافع أم لا؟ هذا له صورتان:
الصورة الأولى: بأن يكون مفهوم الرافعية معلومة عندي، و لكن لا أدري هذا الشيء مصداق للرافعية أم لا؟ بأن يكون مفهوم البول عندي واضح، و لكن أشك في إن هذه الرطوبة الخارجة هي بول أم لا؟
هذا الاشتباه يسمى بالاشتباه المصداقي. هنا يجري الاستصحاب.
الصورة الثانية: أن يكون الشك في رافعية الموجود من جهة الاشتباه المفهومي بمعنى: إن مفهوم الرافع غير واضح عندي.
و مثاله: (قال زرارة: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء، أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟) هنا السؤال عن شبهة مفهومية حكمية لغرض معرفة سعة موضوع النوم من جهة كونه ناقضا للوضوء.
فهنا مفهوم النوم غير واضح، أي: لا يدري إن الخفقة أو الخفقتان نوم أم لا؟ و إلّا لو كان مفهوم النوم واضح لعرفنا إن الخفقة أو الخفقتان نوم أم لا؟
فهنا الشك في رافعية الموجود، أي: أشك في أنه رافع، و لكن من جهة الاشتباه المفهومي هنا لا يجري الاستصحاب.
(١) أي: الشيخ الأنصاري.
(٢) أي: الشيخ الأنصاري.
(٣) فيجري فيه التفصيل (الذي اختاره الشيخ الأنصاري) بين الشك في المقتضي، و الشك في الرافع.
(٤) قال فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل الشيخ راضي «حفظه اللّه» في شرح هذه العبارة: (المصنف يقول:
لعل عدم ذكر هذا التفصيل في أعداد أقوال المسألة لعل سره: إن هذا ليس تفصيلا في المسألة، و إنما مرجعه إلى إنه لا يتحقق فيما إذا كان المستصحب ثابتا بالعقل، فإن الركن الأساسي للاستصحاب لا يتحقق و هو