المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٧ - وجه حجية العقل (٢)
الناحية الثالثة: بعد فرض عدم إمكان نفي الشارع حجية القطع و النهي عنه، يجب أن نتساءل عن معنى حكم الشارع على طبق حكم العقل؟
و الجواب الصحيح عن هذا السؤال عند هؤلاء أن يقال: أن معناه إدراك الشارع و علمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو تركه لدى العقلاء. و هذا شيء آخر غير أمره و نهيه، و النافع هو أن نستكشف أمره و نهيه، فيحتاج إثبات أمره و نهيه إلى دليل آخر سمعي، و لا يكفي فيه ذلك الدليل العقلي الذي أقصى ما يستنتج منه: أن الشارع عالم بحكم العقلاء، أو أنه حكم بنفس ما حكم به العقلاء، فلا يكون منه أمر مولوي أو نهي مولوي.
أقول: و هذه آخر مرحلة لتوجيه مقالة منكري حجية العقل، و هو توجيه يختص بالمستقلات العقلية، و لهذا التوجيه صورة ظاهرية يمكن أن تنطلي على المبتدئين أكثر من تلك التوجيهات في المراحل السابقة. و هذا التوجيه ينطوي على إحدى دعويين:
١- دعوى إنكار الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و قد تقدم تفنيدها في الجزء الأول، ص ٣٩١، فلا نعيد.
٢- الدعوى التي أشرنا إليها هناك في الجزء الأول، ص ٣٩٦، و توضيحها: إن ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح و الذم فقط، و المدح و الذم غير الثواب و العقاب، فاستحقاقهما لا يستلزم استحقاق الثواب و العقاب من قبل المولى، و الذي ينفع في استكشاف حكم الشارع هو الثاني و لا يكفي الأول.
و لو فرض أنا صححنا الاستلزام للثواب و العقاب، فإن ذلك لا يدركه كل أحد، و لو فرض أنه أدركه كل أحد فإن ذلك ليس كافيا للدعوة إلى الفعل إلّا عند الفذ من الناس. و على أي تقدير فرض: فلا يستغني أكثر الناس عن توجيه الأمر من المولى أو النهي منه في مقام الدعوة إلى الفعل أو الزجر عنه.
و إذا كان نفس إدراك الحسن و القبح غير كاف في الدعوة- و المفروض: لم يقم دليل سمعي على الحكم- فلا نستطيع أن نحكم بأن الشارع له أمر و نهي على طبق حكم العقل قد اكتفى عن بيانه اعتمادا على إدراك العقل، ليكون حكم العقل كاشفا عن حكمه، لاحتمال ألا يكون للشارع حكم مولوي على طبق حكم العقل حينئذ، و إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال؛ لأن المدار على القطع في المقام.
و الجواب: إنه قد أشرنا في الحاشية (ج ١، ص ٣٩٦) إلى ما يفند الشق الأول من