المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٥٣ - تعريفه
و إنما صح إطلاق هذه الكلمة على هذه القاعدة في اصطلاح الأصوليين، فباعتبار أن العامل بها يتخذ ما تيقن به سابقا صحيبا له إلى الزمان اللاحق في مقام العمل.
و عليه: فكما يصح أن تطلق كلمة الاستصحاب على نفس الإبقاء العملي من الشخص المكلف العامل؛ كذلك يصح إطلاقها على نفس القاعدة لهذا الإبقاء العملي؛ لأن القاعدة في الحقيقة إبقاء و استصحاب من الشارع حكما.
إذا عرفت ذلك، فينبغي أن يجعل التعريف لهذه القاعدة المجعولة، لا لنفس الإبقاء العملي من المكلف العامل بالقاعدة؛ لأن المكلف يقال له: عامل بالاستصحاب و مجر له، و إن صح أن يقال له: أنه استصحب، كما يقال له: أجرى الاستصحاب (١).
و على كلّ، فموضوع البحث هنا هو هذه القاعدة العامة. و المقصود بالبحث:
إثباتها و إقامة الدليل عليها و بيان مدى حدود العمل بها، فلا وجه لجعل التعريف لذات الإبقاء العملي الذي هو فعل العامل بالقاعدة كما صنع بعضهم فوقع في حيرة من توجيه التعريفات (٢).
لازمه، و استصحبت الكتاب و غيره حملته صحبتي، و من هذا القبيل: استصحاب الحال إذا تمسكت بما كان ثابتا، كأنك جعلت تلك الحال مصاحبة غير مفارقة». و منه استصحاب أجزاء ما لا يؤكل في الصلاة، و استصحاب الخاتم الذي عليه لفظ الجلالة في بعض المواضع، و نحوهما.
(١) ما هو الفرق بين الإبقاء العملي، و الإبقاء الحكمي؟ ج: المراد من الإبقاء العملي هو: ما يطلق على عمل المكلف، فالمكلف حينما يستصحب ما تيقن به سابقا، أي: يتخذه صاحبا إلى زمان الشك، و هذا الاستصحاب بالمعنى اللغوي.
و أما المراد من الإبقاء الحكمي فهو: القاعدة المجعولة شرعا، و هو: عبارة عن الحكم بإبقاء المتيقن إلى زمان الشك من قبل الشارع.
و بعبارة أخرى نقول: الشارع يحكم بإبقاء المتيقن سابقا إلى زمان الشك، و هذا الاستصحاب بالمعنى الاصطلاحي.
فالفرق بين الإبقاء العملي و الحكمي واضح، و لذا تقول في بعض الأحيان: المكلف استصحب، و مرة أخرى تقول: المكلف أجرى الاستصحاب.
فالعبارة الأولى إشارة إلى إطلاق الاستصحاب على الإبقاء العملي من قبل المكلف، و العبارة الثانية إشارة إلى الإبقاء الحكمي الذي حكم به الشارع.
(٢) و بعبارة أخرى نقول: لما كان الكلام عن القاعدة الشرعية الثابتة بالأدلة ناسب أن يعرف الاستصحاب بالإبقاء الحكمي.