المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٥٧
قطعي بالحكم الواقعي، فيكون حجة لأنه قطع بالسنة، و لا كلام لأحد فيه؛ لأن هذا الإجماع يكون من طرق إثبات السنة.
و أما إذا لم يعلم بسببه قول المعصوم- كما هو المقصود من فرض الإجماع حجة مستقلة و دليلا في مقابل الكتاب و السنة- فإن قطع المجمعين- مهما كانوا- لئن كان يستحيل في العادة قصدهم الكذب في ادعاء القطع، كما في الخبر المتواتر فإنه لا يستحيل في حقهم الغفلة أو الاشتباه أو الغلط، كما لا يستحيل أن يكون إجماعهم بدافع العادة أو العقيدة، أو أي دافع من الدوافع الأخرى التي أشرنا إليها سابقا.
و لأجل ذلك اشترطنا في التواتر الموجب للعلم: ألا يتطرق إليه احتمال خطأ المخبرين في فهم الحادثة و اشتباههم كما شرحناه في كتاب المنطق الجزء ٣ ص ١٠ (١).
و لا عجب في تطرق احتمال الخطأ في اتفاق الناس على رأي، بل تطرق الاحتمال إلى ذلك أكثر من تطرقه إلى الاتفاق في النقل؛ لأن أسباب الاشتباه و الغلط فيه أكثر.
ثم إن هذا الطريق العقلي أو المعنوي لو تم، فأي شيء يخصصه بخصوص الصحابة أو المسلمين أو علماء طائفة خاصة من دون باقي الناس و سائر الأمم، إلّا إذا ثبت من دليل آخر اختصاص المسلمين أو بعضهم منهم بمزية خاصة ليست للأمم الأخرى و هي العصمة من الخطأ. فإذا:- على التقدير- لا يكون الدليل على الإجماع إلّا هذا الدليل الذي يثبت العصمة للأمة المسلمة أو بعضها، لا الطريق العقلي المدعى. و هذا رجوع إلى المسلك الأول و الثاني و ليس هو مسلكا مستقلا عنها.
و بالختام نقول: إذا كانت هذه المسالك الثلاثة لم تتم لنا أدلة على حجية الإجماع
(١) ذكر في كتاب المنطق شرط امتناع خطأ المخبرين في فهم الحادثة قائلا: المتواترات: و هي قضايا تسكن إليها النفس سكونا يزول معه الشك و يحصل الجزم القاطع. و ذلك بواسطة إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب و يمتنع اتفاق خطئهم في فهم الحادثة، كعلمنا بوجود البلدان النائية التي لم نشاهدها، و بنزول القرآن الكريم على النبي محمّد (صلى الله عليه و آله)، و بوجود بعض الأمم السالفة أو الأشخاص. و بعض حصر عدد المخبرين لحصول التواتر في عدد معين. و هو خطأ، فإن المدار إنما هو حصول اليقين من الشهادات عند ما يعلم امتناع التواطؤ على الكذب و امتناع خطأ الجميع. و لا يرتبط اليقين بعدد مخصوص من المخبرين تؤثر فيه الزيادة و النقصان.