المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٧٨ - دوران الأمر بين الأقل و الأكثر (١)
٢- ارتباطي (١): كالعلم بتعلق طلب جزمي واحد على ماهية مركبة عرفية أو
و لذا قال السيد الشهيد الصدر (قدس سره) في حلقته الثالثة: «دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين، و هو يعني أن ما يتميز به الأكثر على الأقل من الزيادة على تقدير وجوبه يكون واجبا مستقلا عن وجوب الأقل، كما إذا علم المكلف بأنه مدين بدرهم أو بدرهمين .. و لا شك في: أن وجوب الأقل فيه منجز بالعلم، و إن وجوب الزائد مشكوك بشك بدوي فتجري فيه البراءة عقلا و شرعا (على رأي المشهور)، أو شرعا فقط على الخلاف بين المسلكين.
(١) المراد من المركب الارتباطي هو: أنه يتألف من أشياء يكون بين الأوامر المتعلقة بها ملازمة ثبوتا و سقوطا، كتلازم الأغراض و الملاكات الداعية إلى تلك الأوامر التي هي أمر واحد حقيقة منبسط على تلك الأشياء، و عليه: فالحكم في المركب الارتباطي واحد، الشك في المكلف به، فأمر التكبيرة و غيرها من أجزاء الصلاة- التي هي من المركبات الارتباطية- لا يسقط إلا مع سقوط أوامر سائر أجزائها من الركوع و السجود و القراءة و التشهد و التسليم و غيرها من الأجزاء. و لأجل هذا الارتباط عدّ المقام من صور الشك في المكلف به، فلو علم إجمالا بوجوب الصلاة و تردد متعلقه بين تسعة أجزاء و عشرة، فإن مقتضى الارتباطية عدم سقوط أمر الصلاة لو أتى بها مجردة عن مشكوك الجزئية على تقدير جزئيته واقعا، و هذا بخلاف الاستقلاليين، فإن وجود الأكثر على تقدير وجوبه واقعا غير معتبر في صحة الأقل و سقوط أمره، فإن الأمر المتعلق بالأقل نفسي استقلالي أيضا، و يترتب الغرض عليه مطلقا و لو مع عدم تحقق الأكثر، نظير الدين و قضاء الفوائت و قضاء صوم شهر رمضان إذا ترددت بين الأقل و الأكثر، فإن أداء الأقل سد الدين و قضاء الفوائت و قضاء صوم شهر رمضان يوجب سقوط أوامرها؛ و إن كان الأكثر واجبا واقعا، و لزم امتثاله أيضا، حيث أن وجوبه استقلالي كوجوب الأقل، فلا يعتبر في سقوطه إطاعة الأمر بالأكثر [١].
قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره): «دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، يعني:
إن هناك وجوبا واحدا له امتثال واحد و عصيان واحد و هو إما متعلق بالأقل أو بالأكثر، كما إذا علم المكلف بوجوب الصلاة و ترددت الصلاة عنده بين تسعة أجزاء و عشرة»، و لنفترض إن الجزء العاشر هي السورة، فإذا كانت السورة واجبة فالصلاة مكونة من عشرة أجزاء، و إذا كانت السورة ليست بواجبة فالصلاة مكونة من تسعة أجزاء. فإذا: الواجب يدور بين الأقل و الأكثر الارتباطيين بمعنى: إن السورة لو كانت واجبة ليس لها وجوب مستقل و إطاعة مستقلة، و إنما هي واجبة في ضمن بقية الأجزاء، فلو ركع المكلف بركعة فقط لا يعتبر إنه ممتثلا أصلا. ففي هذه الصورة (أي: صورة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين) وقع الكلام:
هناك من قال: إن هذه الصورة حالها حال دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين، فكيف أننا نفينا وجوب الزائد بالبراءة في صورة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين هنا كذلك أيضا بأن نقول: إن المكلف و إن كان يعلم إجمالا بوجوب و تردد عنده بين تسعة أجزاء و عشرة لكن الأقل أي:
[١] راجع: منتهى الدراية، ج ٦، ص ١٩٠.