المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٥٥
لا يجب أن يحكم الشارع بحكمهم، فلا يستكشف من اتفاقهم على حكم بما هو اتفاق أن هذا الحكم واقعا هو حكم الشارع.
و لو أن إجماع الناس بما هو إجماع- كيفما كان و بأي دافع كان- هو حجة و دليل؛ لوجب أن يكون إجماع الأمم الأخرى غير المسلمة أيضا حجة و دليلا، و لا يقول بذلك واحد ممن يرى حجية الإجماع.
إذا! كيف اتخذ الأصوليون إجماع المسلمين بالخصوص حجة؟ و ما الدليل لهم على ذلك؟ و للجواب عن هذا السؤال علينا أن نرجع القهقرى (١) إلى أول إجماع اتخذ دليلا في تاريخ المسلمين. إنه الإجماع المدعى على بيعة أبي بكر خليفة للمسلمين، فإنه إذا وقعت البيعة له- و المفروض: إنه لا سند لها من طريق النص القرآني و السنة النبوية- اضطروا إلى تصحيح شرعيتها من طريق الإجماع فقالوا:
أولا: أن المسلمين من أهل المدينة أو أهل الحل و العقد منهم أجمعوا على بيعته.
و ثانيا: أن الإمامة من الفروع لا من الأصول.
و ثالثا: أن الإجماع حجة في مقابل الكتاب و السنة، أي: إنه دليل ثالث غير الكتاب و السنة.
ثم منه توسعوا فاعتبروه دليلا في جميع المسائل الشرعية الفرعية، و سلكوا لإثبات حجيته ثلاثة مسالك: الكتاب و السنة و العقل. و من الطبيعي ألا يجعلوا الإجماع من مسالكه لأنه يؤدي إلى إثبات الشيء بنفسه، و هو دور باطل.
أما (مسلك الكتاب): فآيات استدلوا بها لا تنهض دليلا على مقصودهم، و أولاها بالذكر آية سبيل المؤمنين و هي قوله تعالى (سورة النساء ١١٤): وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً، فإنها توجب اتباع سبيل المؤمنين، فإذا أجمع المؤمنون على حكم فهو سبيلهم فيجب اتباعه. و بهذه الآية تمسك الشافعي على ما نقل عنه.
و يكفينا في رد الاستدلال بها ما استظهره الشيخ الغزالي منها إذ قال (٢): (الظاهر أن المراد بها: أن من يقاتل الرسول و يشاقه و يتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته
(١) أي: نرجع إلى الخلف.
(٢) المستصفى ١: ١١١.