المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣١٢ - الأمر الثاني القاعدة الثانوية للمتعادلين
الحكم منها لاختلافها على ثلاثة أقوال:
١- التخيير في الأخذ بأحدهما، و هو مختار المشهور، بل نقل الإجماع عليه.
٢- التوقف بما يرجع إلى الاحتياط في العمل، و لو كان الاحتياط مخالفا لهما كالجمع بين القصر و الإتمام في موارد تعارض الأدلة بالنسبة إليهما.
و إنما كان التوقف يرجع إلى الاحتياط، لأن التوقف يراد منه التوقف في الفتوى على طبق أحدهما، و هذا يستلزم الاحتياط في العمل، كما في المورد الفاقد للنص، مع العلم الإجمالي بالحكم.
٣- وجوب الأخذ بما طابق منهما الاحتياط، فإن لم يكن فيهما ما يطابق الاحتياط تخير بينهما.
و لا بد من النظر في الأخبار لاستظهار الأصح من الأقوال. و قبل النظر فيها ينبغي الكلام عن إمكان صحة هذه الأقوال جملة، بعد ما سبق من تحقيق أن القاعدة الأولية بحكم العقل هي التساقط، فكيف يصح الحكم بعدم تساقطهما حينئذ؟ و أكثرها إشكالا هو القول بالتخيير بينهما، للمنافاة الظاهرة بين الحكم بتساقطهما و بين الحكم بالتخيير.
نقول في هذا الجواب عن هذا السؤال: إنه إذا فرضت قيام الإجماع و نهوض الأخبار على عدم تساقط المتعارضين، فإن ذلك يكشف عن جعل جديد من قبل الشارع لحجية أحد الخبرين بالفعل لا على التعيين، و هذا الجعل الجديد لا ينافي ما قلناه سابقا من سر تساقط المتعارضين بناء على الطريقية، لأنه إنما حكمنا بالتساقط فمن جهة قصور دلالة أدلة حجية الأمارة عن شمولها للمتعارضين أو لأحدهما لا على التعيين، و لكن لا يقدح في ذلك أن يرد دليل خاص يتضمن بيان حجية أحدهما غير المعين بجعل جديد، لا بنفس الجعل الأول الذي تتضمنه الأدلة العامة.
و لا يلزم من ذلك- كما قيل- أن تكون الأمارة حينئذ مجعولة على نحو السببية، فإنه إنما يلزم ذلك لو كان عدم التساقط باعتبار الجعل الأول.
و بعبارة أخرى أوضح: إنه لو خلينا نحن و الأدلة العامة الدالة على حجية الأمارة فإنه لا يبقى دليل لنا على حجية أحد المتعارضين؛ لقصور تلك الأدلة عن شمولها لهما، فلا بد من الحكم بعدم حجيتهما معا. أما و قد فرض قيام دليل خاص في صورة التعارض بالخصوص على حجية أحدهما فلا بد من الأخذ به، و يدل على حجية